في الواقع، وعلى الرغم من أن كلمة الرئيس في بيت الدين جاءت استكمالاً للكلمة التي ألقاها في الأول من آب، يوم عيد الجيش، إلا أنها تركت الأثر الكبير في نفوس اللبنانيين، كونها برهنت عن أن الصواريخ لم تتمكن أبداً من إرهاب الرئيس الوطني، وبأن الأخير قادر على تحدي كل الصواريخ بمجرّد كلمة. لكنّها ليست أية كلمة، بل هي المواقف التي انتظرها اللبنانيون طويلاً وهم متخوّفون اليوم من الفراغ الرئاسي.. فماذا سيقولون أكثر مما قاله رئيسهم والذي عبّر خير تعبير عن لسان حالهم؟
دعوة الرئيس سليمان هذه المرة سبقت كل الأفرقاء اللبنانيين بأشواط لناحية الإفصاح عن رأيه القانوني والدستوري والوطني بـ “حزب الله” حرصاً منه على مصير لبنان.. في هذه الفترة العصيبة والفتنوية التي تحضّر للبنان، التي تحتاج الى أن يكون التماسك السياسي سيد الموقف وسيطرة الروح الوطنية لتقتنص الفرصة الملائمة كي “يستمد” الديموقراطيون في لبنان الوطنية من الدستور.
والرئيس بادر أيضاً الى إعلان مواقفه في الشأن الحكومي استناداً الى معطيات سياسية جديدة، ومنها أن موازين القوى ستفعل فعلها في مثل هذه الظروف التي تدفع بلبنان الى حافة الهاوية، وحدها موازين القوى اليوم قادرة أن تفرض نفسها لتنال الحكومة الثقة لكي تحكم، ولطالما أراد الرئيس المكلف تمام سلام حكومته حيادية تؤمن ثقة كبيرة!
دخل التكليف شهره الرابع، لكنّها ليست المرة الأولى التي تطول فيها فترة التكليف، فقد طالت ستة أشهر في عهد الرئيس شارل حلو، لكنّ الفرصة مؤاتية اليوم لتسريع تشكيل الحكومة، والواضح أن رئيس الجمهورية قد قرر أن يأخذ الأمور على عاتقه بما يسمح به الدستور، ولأن ليس أمامه متّسع من الوقت.. فهو الرافض للتمديد بالمطلق على الرغم من أن الظروف حكمت بالتمديد للمجلس النيابي وغيره، لكن الرئيس، الذي يدرس بالطبع كافة الإحتمالات، لن يقبل أن يترك لبنان وسط فراغ مؤسساتي من الصعب إصلاحه أو ترقيعه، ولأنه متمسّك بالدستور وبأحكامه فلن يكون من السهل بالنسبة إليه أن ينهي عهده تاركاً البلد مكشوفاً من الناحية الدستورية..
فالإحتمالات هنا ليست غنية لكنّها مصيرية: إما تشكيل حكومة حيادية أو أية حكومة قادرة على أن تدير البلد وتنقذه، وإما استمرار تصريف الأعمال الوزارية الى أن يقع البلد في آخر “مصيدة” للفراغ، فلا يعود أمام “المحبّين” سوى عقد مؤتمر تأسيسي كحلّ وحيد لتحقيق مآربهم.. لن تسير مخططات المؤتمر ذاك بحسب أحلام أصحابه لأن رئيس الجمهورية قطع الطريق أمام الجميع حين أعلن أن الخلاص لن يكون إلا على يديه ويديّ الرئيس المكلّف قائلا “ان الدستور يعطي صلاحية لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ان يؤلفا الحكومة كما يريان مصلحة البلد”. فالمادة 64 من الدستور تعطي الحق لرئيس الجمهورية والحكومة ليوقّعا معا على مرسوم تشكيل الحكومة بعد استشارات نيابية يجريها الأخير.. فهل تطبيق الدستور يعتبر استفزازياً كما يصف البعض تشكيل حكومة حيادية؟ وهل تكون الديموقراطية بأن يملي “حزب السلاح” على اللبنانيين قراراته؟
وكلام الرئيس مبسّط جدّا، ما يجعله أقرب الى الجميع، لا بل بالأحرى يقرّب الجميع إليه.. فالرئيس ليس بعيدا “عن أوراشليم”، والدليل أنه تحدث من بيت الدين بلسان كل اللبنانيين، ألا يتساءل اللبنانيون يومياً عن السبب الذي يمنعهم من بناء دولة؟ ولماذا يظهر لبنان بمظهر الضعيف؟ كذلك سأل رئيس الجمهورية “لماذا لا نستطيع بناء دولة؟ ما هو السبب؟ لماذا بنينا دول الاغتراب؟ لماذا لا نستطيع بناء دولة في لبنان، ماذا ينقصنا؟ لماذا نظهر بشكل مجاني أن لبنان دولة فاشلة؟”
يسعى الرئيس سليمان الى نقل لبنان الى مصافي الدول القوية بجيشها، حتى ينظر إليه المجتمع الدولي نظرة البلد المؤثر، وأن ينجح بحكمته من إعادة “الإبن الضال” في سوريا الى الأراضي اللبنانية وأن يجد الآذان الصاغية لدعوته “فلنعد جميعاً الى الداخل، الى الوطن، فلندعم الجيش اللبناني ولا نغدر به، ولا نتهمه ونصعّب مهمته”.. لكن في الواقع ليس على لبنان أن يُقدم طوعاً على الإنتحار بسبب ضلال أحد أطرافه، لأن الحياة مستمرة واللبنانيون متعلّقون بها، وآمالهم معقودة على مناضلَين، الأول ناضل في سبيل الجيش اللبناني كاسراً المهددين بالخطوط الحمراء، والثاني في سبيل لبنان بكل ألوانه.. فماذا ستكون خطوة سليمان وسلام المشتركة؟.