لا شكّ أن التلويح بورقة المطار مجدداً ليست وليدة أزمة آنية أو قضية إنسانية، إنما هي حلقة اساسية في مخطط ضرب الدولة ومرافقها الحيوية، ولعل التركيز على تهديد أمن المطار إن بالنسبة لقطع طريقه ووقف حركته الملاحية كما هدد البعض منذ ايام قليلة، أو لجهة تحويله الى فخّ يقتنص عبره فريق مسلّح السياح والوافدين الى لبنان كما حال خطف الطيارين التركيين تحمل في طياتها مؤشرين خطيرين الأول سياسي والآخر أمني.
ففي المؤشر السياسي لما يجري في المطار وخارجه، يبدو أن ثمة إصرارا على تقويض المؤسسات اللبنانية لا سيما المؤسسات الحيوية والإستراتيجية ومنها المطار، في محاولة من المتحكمين بمصيره الى جعل هذا المطار مرفقاً فاقداً للأمن، ومن خلاله تحويل لبنان الى دولة مارقة، تفتقد السيطرة على مؤسساتها، دولة تحكمها شريعة الغاب والميليشيات المسلحة التي تعمل وفق أجندات إقليمية تتبادل الرسائل مع الدول الأخرى عبر الخطف لرفع سقوف الشروط السياسية، وصفقات المقايضة عليها في مكان آخر وفي دول أخرى، وهذا ما بدأ يترجم فعلياً من خلال تسليط دول أوروبية الضوء على ما يجري في محيط بيروت وعلى طريقه الرئيسية، وهو ما كشفته أوساط أوروبية عن تصنيف مطار بيروت الدولي على أنه مطار غير آمن، مع ما لهذا التصنيف من آثار سلبية على البلد وأمنه واستقراره، وعلى حركته السياحية ونموه الإقتصادي الآخذ أساساً في التدهور المخيف.
أما في البعد الأمني، فمن الواضح أن ما يُعمل عليه الآن، هو أن يبقى مطار بيروت الذي هو المطار المدني الوحيد والنافذة اللبنانية الوحيدة على العالم، تحت سيطرة قوى الأمر الواقع المتحكمة بمصيره ومساره، القادرة على مراقبته من الداخل سواء بالمسؤولين والعناصر الأمنية الخاضعين لقرارها، أو بالموظفين الذين عينوا بمشيئتها، لتبقى حركة الوافدين تحت مجهرها وتكون قادرة على إحصاء أنفاسهم منذ أن تطأ اقدامهم أرض المطار الى حين خروجهم منه وتخطيهم المربعات الأمنية التابعة لهم التي تلف هذا المطار من كل الإتجاهات، أو عبر مراقبته من الخارج بواسطة الكاميرات المزروعة على مدارجه أو حتى في الأبنية المحيطة به، بما يجعل ايضاً حركة الطائرات في الإقلاع والهبوط تحت رحمة الميليشيات التي تأمر وتنهى من دون حسيب أو رقيب، ومن دون أن تتجرأ الدولة على السؤال أو الإستفسار عما يحصل، لأن تجربة إقالة أو نقل أي ضابط أو عنصر أمن أو موظف في المطار هي من المحرمات وتهدد أمن المقاومين والممانعين، والدليل أن تجربة نقل رئيس جهاز أمن المطار السابق وفيق شقير قادت الى اجتياح بيروت في السابع من ايار وهي لا تزال ماثلة.
من المسلّم به أن ما يجري داخل المطار وفي محيطه وعلى طريقه الرئيسية، لا يعيد طرح مسألة أمن المطار فحسب، إنما يطرح مصير أمن الدولة ككل، الأمر ليس مرتبطاً اليوم بأمن المطار كمرفق حيوي أو استراتيجي أو سياحي أو إقتصادي أو تجاري، بقدر ما هو مرتبط بأمن البلد، فأي تهديد للمطار وأمنه وسلامة القادمين اليه والمسافرين منه، هو تهديد لما تبقى من الدولة ومؤسساتها وأمنها وسيادتها وأمن الأشقاء العرب والأجانب المقيمن على أراضيها. المسألة الأساسية أن التلويح بورقة المطار هي مؤشر خطر الى أن ما يحضر للبلد هو أخطر بكثير مما يتصوره البعض، والشواهد على ذلك كثيرة وماثلة، ومن عايش حقبة الحرب الأهلية البغيضة والمقيتة، يتذكر تماماً أن نفس الميليشيات ونفس القوى المسلحة المتحكمة بمصير مطار بيروت اليوم، سبق لها واستخدمت المطار وسيلة لتنفيذ مخططاتها، فكانت مرحلة خطف الرهائن الأجانب من الدبلوماسيين وحتى الموظفين في الهيئات الإنسانية على طريق المطار وكذلك التصفيات الجسدية وخطف الطائرات، وهي مرحلة أدخلت البلد يومها في نفق مظلم طال الخروج منه سنوات عديدة، ولا يزال لبنان يسدد فاتورتها حتى يومنا هذا.
كثيراً ما تتعلم الشعوب من تجارب الآخرين ومن فشلهم وإخفاقاتهم لتتخذ منها دروساً وتبني عليها نجاحاتها بتجنب التجارب المريرة والذهاب الى الخيارات السلمية غير المكلفة، أما عندنا في لبنان فإن البعض يرفض الإتعاظ من تجاربه التي كبدته والبلد الويلات، والمؤسف أن حنين هذا البعض الى الماضي المرير، والى العودة الى الحقيبة السوداء يتقدم على حنين شركائهم في الوطن الى بناء بلد يسوده الأمن والأمان، وتحكمه الدولة التي وحدها توفر لشعبها الرخاء والاستقرار.