تقول أوساط ديبلوماسية عربية في واشنطن إنّ هناك عدداً من المعطيات ينبغي النظر اليها بتمعن في هذه المرحلة، وتشدد على ضرورة قراءة نتائج لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الاستخبارات السعودية الأمير بندر بن سلطان بواقعية، بعد محاولات البعض قراءتها من وجهة نظر مصالحه، فيما المنطق يشير الى الترابط السياسي في الملفات التي تعالجها السعودية في هذه المرحلة وبتنسيق تام مع واشنطن.
لم تنف موسكو صفقة الـ 15 مليار دولار من الأسلحة، ولا قضية الغاز.. لكن بالطبع لا يمكن قياس مصالحها السياسية في هذين العرضين. وتحدثت المعلومات عن تقويم سياسي وتعهّد قدّمه الأمير بندر لبوتين حول طريقة تطويق الحركات الجهادية في العالمين العربي والإسلامي. ولا يقتصر الأمرعلى الجبهات الساخنة فقط كسوريا مثلاً، بل على كل الجبهات، من مصر الى الجزائر، عارضاً عليه شراكة سياسية في هذا المجال.
وتشير معلومات الى زيارة وزير الخارجية العراقية هوشيار زيباري لواشنطن غداً الخميس، وتقول إنّ تصريحات رئيس اقليم كردستان العراق مسعود البارزاني الأخيرة حول قتال “النصرة” دفاعاً عن أكراد سوريا، تأتي في سياق هذا الحلف السياسي والميداني الذي ترعاه السعودية في هذه المرحلة. فمواقف البارزاني من نظام الرئيس السوري بشار الاسد معروفة، وهو يدعم الثورة السورية في محصلتها العامة غير الاسلامية. ومن الممكن أن يكون قد حصل تقاطع مصالح في هذه المرحلة تمهيداً لأمرين: رفض إلحاق الأكراد بمشاريع مشبوهة متصلة بالنظام السوري، ورفض سقوط مناطقهم بيد متطرّفي تنظيم “القاعدة” وأشباهها.
لقد ثبت بما لا يقبل الشك أنّ الوضع الميداني في سوريا مرشح للتطور في اتجاهات لا تتطابق مع تحليلات المعسكر الذي يقاتل الى جانب النظام. وكان مُعبّراً أن يضطر الأسد الى الظهور علناً يوم عيد الفطر لنفي خبر تعرض موكبه لأكثر من هجوم، فيما كان رئيس “الإئتلاف الوطني السوري” أحمد الجربا يصلّي ويخطب في درعا، ورئيس اركان “الجيش الحر” سليم ادريس يظهر في ريف اللاذقية بعد يومين..
وتقول مصادر أميركية إنّ ما يجري في هذه المرحلة يثبت كلام وزير الخارجية الأميركية جون كيري من أنّ الانتصارات التي يحققها النظام هي موقتة، وسيكتشف هو وحلفاؤه، عاجلاً أم آجلاً، أنّ ميزان القوى على الأرض لا يمكن الاعتداد به طويلاً.
وعلى رغم تأكيد هذه المصادر أنّ ملف الأزمة السورية لم يكن على رأس أولويات الاجتماع الوزاري الذي انعقد في واشنطن بين وزراء خارجية ودفاع كل من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، إلّا أنّ تصريحات الرئيس الاميركي باراك اوباما التي صدرت فيما الوزراء مجتمعون، شكّلت مواقف صادمة حتى للروس الذين لم تصدر عنهم ردود على هجوم اوباما الشخصي القاسي على بوتين. مهما قيل عن سياسة اوباما الخارجية ووصفها بـ”الناعمة”، إلا انه لا يمكن المرور بنحو عابر على معاني ما جرى.
فهناك على الارجح بداية استدارة اميركية ضد سياسات موسكو، الأمر الذي بدأ عبر هجوم شخصي يحمّل الرئيس الروسي مسؤولية السياسات “المعادية للأميركيين”، ودفع الاوضاع الى مرحلة الحرب الباردة. وهناك من يقول إنّ أوباما اعلن عن بدء اتّباع سياسة مختلفة تجاه الروس، وسيتم فرض “عقوبات” سياسية ستكون لها نتائج مباشرة وبعيدة المدى، ليس على العلاقات الاميركية ـ الروسية فقط، بل على الوضع الروسي نفسه!
حتى في ما يتعلق بمسار الحرب السورية، هناك شبه اطمئنان أميركي الى ان الاوضاع مقبلة على تغييرات جذرية، من بينها حصول مزيد من الانشقاقات عن الدائرة القريبة من الأسد، بعدما تكشّف أنّ “حرب اللاذقية” هي ضوء اخضر لإنهاء مشروع الدويلة العلوية في عقر دارها، وتعبيراً عن فشل الرهان على مشاريع تقسيمية صغيرة، طالما أنّ القضايا الاقليمية الكبرى لم يُتّفق عليها بعد.
غالب الظنّ أنّ “الصحوة” التي قد تحصل في المستقبل القريب في صفوف نظام الأسد، قد لا تجد رديفها لدى “حزب الله”، الذي يتبيّن يوماً بعد يوم أنه يعاني من قصور في قراءة المشهد السوري على حقيقته، بعدما تحوّل مقاتلوه رذاذاً منثوراً في البقاع السورية المترامية.