هجوم مضاد للمحور الإيراني في المنطقة يلغي احتمال المغامرة بحكومة وشيكة
على رغم سرقة التطورات المصرية الدامية الاضواء في اليومين الاخيرين، فان الاحداث التي تلاحقت نهاية الاسبوع بين خطف الطيارين التركيين والكمين في البقاع الذي طاول مواطنين من عرسال أثار مخاوف متصاعدة من ان تكون لهذه الاحداث ابعاد اكبر بكثير من الواقع اللبناني المباشر اذا ما اخذت الصورة الاقليمية التي تفاعلت وتتفاعل من ضمنها. اذ في الوقت الذي لم يسقط سياسيون كثر الصلة بين ما حصل في عرسال مثلا وما كان يحصل في ريف اللاذقية في الايام الاخيرة لجهة تقدم الجيش السوري الحر فيه، فان مراقبين سياسيين عديدين اطلوا على هذه الوقائع من زاوية الغليان المحتدم في المنطقة وليس فقط في سوريا. اذ ان الانظار كانت شاخصة الى استعدادات حركة “تمرد” في البحرين لاعتصام في ذكرى سنتين ونصف سنة على بدء الحركة في 14 شباط 2011 يماثل ما ذهب اليه الاخوان المسلمون في مصر بعد سنتين ونصف سنة من اسقاط حكم الرئيس حسني مبارك دفاعا عن حكم محمد مرسي على رغم اختلاف طابع الحركتين بحيث لا تسقط عن حركة ” تمرد ” في البحرين الطابع الشيعي الذي تتسم به والتي تهدف الى اسقاط النظام. ولا يسقط هؤلاء المراقبون تلازم هذه التطورات مع احداث مأسوية في اليمن حيث برزت حركة ناشطة اخيرا من خلال عمليتين قتل فيهما نحو 17 من الحوثيين على نحو يشي بالنسبة الى هؤلاء المراقبين بما يتعدى الحوادث المعزولة الى انضوائها من ضمن ما يعتبره هؤلاء حركة تمرد شيعية تزداد قوتها وتحضيراتها في اليمن حيث يتسلح الحوثيون بقوة.
ومع ملاحظة اهتزاز العراق أكثر فأكثر تحت وطأة الصراعات الشيعية – السنية والتزايد المأسوي في عدد الضحايا خلال شهر واحد، وكذلك ما يحدث في بلدتي نبل والزهراء في محاذاة المنطقة العلوية كما في ريف اللاذقية، فان الامور تبدو بحسب المراقبين المعنيين معبرة عن تصاعد في الحرارة في تزامن لا يمكن تجاهله او تجاهل صلته بخلفية التفاصيل لما حصل بين عرسال واللبوة من جهة وما حصل على طريق المطار من جهة اخرى خصوصا متى تم عطف هذه التطورات على”الخطاب الشيعي” الذي اعتمده الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله اخيرا على نحو فاجأ كثيرين.
التساؤل الذي تبرزه هذه التطورات يكمن في رأي المراقبين المعنيين في ما اذا كانت القيادة التي تتولى ادارة الوضع الاقليمي لمحور معين انطلاقا من طهران قد انتقلت الى مرحلة جديدة من الهجوم المضاد بما يمكن ان يعبر ذلك عن نقلة استراتيجية او تكتية انطلاقا من واقع ان ايران هي تحت ضغوط هائلة مالية واقتصادية نتيجة العقوبات الغربية وعسكرية نتيجة تورطها في سوريا. فمع ان بعض المعلومات الديبلوماسية تفيد ان الولايات المتحدة هي في وارد اعطاء فرصة حقيقية للرئيس الايراني الجديد حسن روحاني ان من حيث الوقت الذي يحتاج اليه او من حيث مضمون ما ستقدمه من عروض لطهران في مجال الملف النووي، فان الانفراج بالنسبة الى ايران لن يأتي من دون تنازلات كبيرة ومؤلمة ولا يستطيع روحاني ان يغير اي شيء من دون الغاء الحصار الدولي المفروض على ايران. ولذلك يعتقد هؤلاء المراقبون ان الهجوم المضاد الحاصل في المنطقة هو بمثابة ورقة من اجل ان تتفاوض عليها ايران بدلا من تلك التي تملكها راهنا خصوصا ان واقع ما يجري في سوريا ليس كافيا كما ادخال الحزب في الحرب السورية.
هذه الصورة الكبيرة للوضع في المنطقة تشكل الخلفية الحقيقية في رأي هؤلاء المراقبين للتطورات المحتملة في لبنان ومن بينها تلك التي تلغي امكان او احتمال الذهاب الى حكومة جديدة في وقت قريب على رغم كل الكلام على هذا الصعيد او اي تغيير قد يرى فيه “حزب الله” تهديدا له او لايران على رغم معرفته جيدا ان الحكومة الحيادية لن تمس بمكتسباته باعتبار انها لن تتعدى واقع تجميد الوضع ومنع انهياره وان روّج لمنطق مختلف. اذ ان الحزب يعرف ان لا تحد حقيقيا له في حكومة مماثلة ولا تغيير محتملا في الموازين ولا تهديد لامنه لا من قريب او من بعيد اذ ان الوضع راهنا يختلف كليا عن الظروف التي ادت الى قرارات في 5 ايار بوقف شبكة اتصالات الحزب. لكن على رغم معرفة الحزب بان الحكومة لن تهدده انما قد تمنع استمرار تدهور الدولة وتآكلها، فانه سيحول ومن دون اعادة تثبيت وجوده في السلطة التنفيذية ودون اعادة امتلاكه الفيتو المعطل لقرارات الحكومة.
ولذلك يكشف هؤلاء المراقبون عدم تشجيع قوى اساسية في 14 آذار لحكومة حيادية على رغم وجود مبرر منطقي للنقاش بوجوب تأليف مثل هذه الحكومة ام لا. انما يقول هؤلاء انه اذا كان ثمة مخاطر تحدق بالبلد نتيجة اعتبارات مختلفة مثل تلك الآنفة الذكر فانه قد يكون مهما عدم الاندفاع او الوقوع بشيء عن عمد او قصر نظر او غباء نتيجة الادراك ان الفترة المقبلة صعبة جدا وهي تحمل في طياتها احتمال تصعيد النزاع الاقليمي الضخم في كل المناطق حيث يحتدم او يصطدم هذا المحور الاقليمي بالخصوم الذين يواجههم.