مهما قيل عن حسن العلاقات الشخصية وأنها قائمة ولم تنقطع، يبقى هذا الكلام من دون تأثير على الأرض، لأنّ العلاقات الشخصية شيء والعلاقات السياسية شيء آخر، والتحالفات لا تنسج على أساس المحبة والصداقة.
من يدخل في تحليل كلام رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون الأخير، يخال لوهلة أنّ الرجل يعيش وحيداً في الرابية ولا يناقش مع زواره قضايا سياسية بل أصبحت له اهتمامات أخرى. كما أنّ أحداً لا يقصده وهو لا يزور أحداً من جهته، لأنّ كل علاقاته السياسية مع الحلفاء انقطعت، بدءاً برئيس مجلس النواب نبيه برّي، ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، رئيس تيار “المردة” النائب سليمان فرنجية، رئيس “الكتلة الشعبية” النائب السابق الياس سكاف، النائب طلال ارسلان، وصولاً إلى “حزب الله”. فهؤلاء جميعهم أصدقاؤه، لكنّ الخلاف السياسي قائم، كما انّ عون اختلف سابقاً مع الحزب “السوري القومي الاجتماعي” و”البعث” أثناء طرح مشروع “اللقاء الأرثوذكسي” الذي سانده “التيار الوطني الحرّ” بقوّة.
مستوى التحدي ارتفع بين عون وحلفائه، اذ انه بات وحيداً. وهو من دون هذه المروحة الواسعة من التحالفات، وتحديداً داخل المجتمع المسيحي، لا يستطيع أن يحظى بهذه القوّة. فعلى مستوى تكتل “التغيير والإصلاح”، فقَد عون حتى الآن ستة أعضاء، أربعة ينتمون الى “المردة” واثنين الى كتلة ارسلان، وبذلك لم يعد باستطاعته القول انه يملك أكبر كتلة مسيحية ليكون الأنسب لرئاسة الجمهورية.
من جهتها، تعزو أوساط العونيين الخلاف مع الحلفاء الى “قلّة الوفاء التي أظهروها وعدم مساندتهم مطالبنا التي هي مطالبهم. فعندما نسعى الى تحسين التمثيل او ادخال مناصري التكتل الى الدولة بعد 15 عاماً من الاقصاء، كانوا يبدون ليونة لكنهم لم يقفوا معنا في النهاية، اما الحديث عن أننا دخلنا في سوق المحاصصة فكلام غير صحيح، لأنّ الذين نريد ادخالهم الى الدولة هم مواطنون لبنانيون يحملون الشهادات وهم موجودون في ملاك المؤسسات أصلاً، وهذا حقنا”. وتلفت الأوساط الى أنّ “المسيحيّين همّشوا طوال الحقبة الماضية، وبدفاعنا عن حقوقهم ندافع عن حقوق خصومنا المسيحيين أيضاً، وعلى رأسهم “القوات اللبنانية” التي لم يدخل مناصروها الى الدولة، وبالتالي فإنّ معركتنا كانت وستستمر من أجل عودة المسيحيين الى الدولة”.
ويضع العونيّون علامات استفهام، بل باتوا متأكدين من انّ حلفاءهم لن يساندوهم في استحقاق رئاسة الجمهورية، ولا شيء يمنعهم من قبول التمديد أو التعايش مع الفراغ، من هنا يرددون مقولة: “لماذا نحن حلفاء؟ كل واحد يقلّع شوكه بإيدو”. ويعتبرون انّ “الانتخابات الرئاسية نقطة مهمّة وفاصلة، وسنرى تجاوب الحلفاء معنا عندما يحين موعد الإستحقاق، وعندها إما نستمرّ معهم في الحلف الاستراتيجي ونعمل على اصلاح ما أفسدته ملفات الداخل، واما تنتهي العلاقة الاستراتيجية والداخلية، اما التهديد بحصار “التيار” فمرفوض، لأنّ أحداً في لبنان لا يستطيع محاصرة الآخرين، و”التيار” لا يزال يملك القوة الأولى داخل المجتمع المسيحي، وحلفاؤنا يحتاجون إلينا بينما إمكاناتنا تسمح لنا بالاستمرار وحيدين”.
يحاول حلفاء عون الإبقاء على “شعرة معاوية” في العلاقة، وهم يراهنون على أنه لا يستطيع الاستمرار من دونهم في الاستحقاقات المقبلة، اذ لا يمكنه تحقيق اي خرق من دون “المردة” و”القومي” في الشمال، ومن دون “حزب الله” في جبيل وبعبدا، ولا يمكنه كذلك الفوز في المتن من دون “الطاشناق” و”القومي”، وبذلك يراهن حلفاؤه على هذه الورقة الضاغطة.
أما بالنسبة الى الضابط الإقليمي، أي النظام السوري وإيران، فإنّ هاتين الدولتين توكلان الملف الداخلي الى “حزب الله”، الذي ينهمك بدوره في الداخل السوري، ولا يستطيع تجنيد كل قواه لحلّ النزاعات السياسية الداخلية طالما أن المعركة الأساس يخوضها في سوريا وأحداث الساحة اللبنانية مرتبطة بها مباشرة، وقد اختار العمل لتغيير المعادلة في النبع السوري، ولن يتلهّى في الساقية اللبنانية.