تتحدّث عائلة سوريّة، لجأت مؤخّرا إلى لبنان هربا من جحيم الحرب التي يشنّها النظام السوري على الحجر والبشر، عن مضايقات تعرّضت لها على الحدود من قبل الأمن العام اللبناني، حيث استوقفها أكثر من ثماني ساعات قبل أن يسمح لها بالدخول إلى الأراضي اللبنانية، تحت ذريعة ظروف العائلة الاستثنائية.
الظروف الإستثنائية لهذه العائلة الدمشقية، المكونة من أمّ وطفلين وشاب من ذوي الاحتياجات الخاصّة، بعدما فقدت معيلها بنيران النظام السوري ربما هذه المرّة شفعت لها، لكن مصادر ميدانيّة تكشف لـ”اللواء” عن إعادة الأمن العام اللبناني عبر نقطة المصنع الحدودية، عشرات العائلات السوريّة والفلسطينية النازحة من سوريا في فترة ما قبل وبعد عطلة الفطر السعيد.
وعلى سبيل المثال، وقبل يوم تحديدا من عيد الفطر، عمد الأمن العام اللبناني بإيعاز على ما يبدو من الحكومة اللبنانية، بمنع حافلة ركّاب كانت تقلّ نازحين فلسطينيين من مخيّم اليرموك، الذي يشهد في الآونة الأخيرة ضربات جويّة مكثفة من قبل قوّات النظام، بحجّة أنّ بعض الهاربين لا يملكون أوراقا ثبوتية، لكنّ أحد أقارب أولئك النازحين ممن تمكن من الدخول إلى لبنان قبل حوالي الستة أشهر، يروي سردا آخرا فيقول إن الأمر لا يتعلق بأوراق ثبوتية، لأن جميع من في الحافلة لديهم جوازات سفر “لكن على ما يبدو الدولة اللبنانية بدأت تستجيب لدعوات بعض التيارات السياسية العنصرية، الداعية إلى ترحيل النازحين الفلسطينيين والسوريين إلى سوريا، أي رميهم مجددا فريسة للنظام السوري لقتلهم بعدما لم يتمكّن من ذلك في الفترة السابقة”.
إذاً، إقفال الحدود بوجه النازحين السوريين والفلسطينيين، باتت أمرا واقعا وإن نفتها أكثر من مرّة الدولة اللبنانية، والسؤال هل ستتجاوب حكومة اللانأي بالنفس مع المطلب القديم المتجدد الذي أعلنه رئيس تكتّل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون من زحلة، حول ترحيل النازحين السوريين والفلسطينيين وفقا لخطة الإبعاد التي اتفق عليها مع وزير المصالحة السورية علي حيدر الذي كان زار الرابية قبل فترة غير بعيدة.
كل شيء وارد، فقضيّة المناضل شبلي العيسمي الذي اختطفته المخابرات السورية على مرأى من الأجهزة الأمنية اللبنانية، وقضيّة الإخوة جاسم الذين تمت تصفيتهم على يد النظام السوري بعدما تسلّمهم من الأمن العام اللبناني، وغيرهم العشرات من الناشطين السوريين، أكبر برهان على ما يمكن أن تفعله حكومة بشّار الأسد في لبنان، بحق النازحين السوريين والفلسطينيين وفق ما يقول عضو كتلة المستقبل النائب خالد الضاهر لـ”اللواء”، مضيفا إنّ أي ترحيل للنازحين السوريين سيكون مقدّمة لفتنة كبيرة، يدفع لها على ما يبدو ميشال عون بتكليف من النظام السوري.
ولكن ألا يبدو، طرح عون منطقيّا لتخفيف العبء عن الدولة اللبنانية، خصوصا بعدما فاق عدد النازحين السوريين والفلسطينيين في لبنان المليون ومئتي ألف نازح، فتح بعضهم مصالح وبعضهم الآخر يزاحم اللبنانيين في أرزاقهم، هذا من دون تغافل معدّل الجريمة والسرقات الذي ازداد أضعافا مضاعفة منذ بدء الأزمة السورية؟
يجيب الضاهر، إنّ مواقف عون وصهره وفريق الثامن من آذار بمن في ذلك مواقف “حزب الله” العنصريّة، تجاه النازحين السوريين مرفوضة ومردودة إلى أصحابها، والهدف الأوّل والأخير لها هو مساعدة نظام القتل والإجرام الذي قتل اللبنانيين في زحلة والأشرفية وطرابلس، لافتا إلى أنّ ترحيل السوريين هو ضوء أخضر لـ”دراكولا” الشام لارتكاب المزيد من الفظائع والمجازر بحق الشعب السوري الذي ما لجأ إلى لبنان إلا هربا من بطش ذلك النظام البربري الذي لم نألف مثل جرائمه على مرّ التاريخ.
والسؤال، هل دخلت الحكومة اللبنانية من بوابة النازحين، بعد دخول “حزب الله” سوريا من البوابة العسكرية، في مساندة النظام السوري في قتل شعبه؟ يجزم الضاهر بأنّ الحكومة اللبنانية ومنذ اليوم الأول للثورة السورية، كانت شريكا مباشرا في قتل الشعب السوري “والدليل رفضها إقامة مخيّمات لإيواء النازحين السوريين، بدل أن تترك جزءا كبيرا منهم يبات في العراء وعلى الطرقات وتحت الجسور كما نشاهد اليوم”.
وعلى هذا الأساس، يحذّر الضاهر من استمرار التعاطي اللاإنساني للحكومة اللبنانية مع النازحين السوريين، مهددا بخطوات تصعيدية في حال تمّ التجاوب مع مطلب عون بترحيل النازحين، معتبرا أنّ التهويل على النازحين والقول إننا تجاوزنا مرحلة الخطر، أو الحديث عن تغيير ديمغرافي أو ما شاكل ذلك، لن يثنينا عن استمرار مناصرة الثورة السورية واحتضان الشعب السوري المقهور والمعذّب، خاتما بالقول إن لبنان لا يستطيع إقفال حدوده على الإطلاق أمام النازحين لأن ذلك يناقض ويخالف العهود الدولية المتعلقة بالحروب والتي صادق عليها لبنان وتعهّد بتنفيذها.