بعد زيارة الرئيس المكلّف تمام سلام إلى رئيس الجمهورية في مقره الصيفي في قصر بيت الدين، إنحسرت موجة التقديرات الموغلة في التفاؤل، والتي سادت في اليومين الماضيين بإمكان إحراز تقدّم سريع في ملف الحكومة العتيدة، تحت تأثير مواقف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الأخيرة والتي أكد فيها عزمه على ممارسة صلاحياته الدستورية في ما يتصل بملف تشكيل الحكومة، وانخفضت الى مستوى متدني حظوظ المفاجآت التي راهن البعض على حصولها بعد عيد الفطر مستنداً إلى مواقف رئيس جبهة النضال الوطني قبل أن يوفد الوزير وائل أبو فاعور ونجل جنبلاط تيمور وإلى الأجواء التي سادت بعد كلام رئيس الجمهورية في قصر بيت الدين، وإلى ترجيحات قوى الرابع عشر من آذار وإن كان فريق الثامن من آذار أدرجها في إطار المناورات المقصودة لتلمّس ردود فعلها إزاء حكومة الحياد أو الأمر الواقع، أو تنظيم الخلاف أو التكنوقراط.
ويُستفاد من الكلام الذي أدلى به الرئيس المكلّف بعد اجتماعه الى رئيس الجمهورية أن العُقد التي أدت إلى التأخر في تشكيل الحكومة طيلة هذه المدة، لا زالت على حالها، ولم يحصل أي اختراق على هذا الصعيد يعطي دفعاً جديداً للتشكيل أو لتحديد مواعيد ولادة الحكومة الجديدة.
وما قاله الرئيس المكلّف بعد اجتماع بيت الدين يؤكد أن الأزمة ما زالت تراوح مكانها وأن الرئيسين سيستمران في مساعيهما للوصول إلى تسوية مقبولة من كل الأطراف، شرط أن لا تبقى الأمور على حالها إلى ما لا نهاية.
وفي هذا الصدد قالت أوساط سياسية مواكبة للاتصالات أن تشكيل الحكومة لا يمكن أن يمتد إلى ما لا نهاية، وبات حتمياً قبل زيارة رئيس الجمهورية إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 18 أيلول المقبل إلى جانب الوضع الأمني المتوتر وتداعياته السلبية على البلاد والمرشحة لتتفاقم في غياب حكومة أصيلة تتولى زمام المبادرة لوضع حد للتسيّب الأمني الخطير، لكن مسارعة الرئيس المكلّف إلى استبعاد ما تردد في الأيام القليلة الماضية، عن وجود اتجاه قوي مشترك بينه وبين رئيس الجمهورية ومعهما النائب جنبلاط لتشكيل حكومة حيادية كأمر واقع بعدما سدّت كل السبل للوصول إلى حكومة متعاونة ومنسجمة وتشكل فريق عمل واحد، بسبب إصرار 8 آذار على الحصول على الثلث المعطِّل وإصرار حزب الله على أن يتمثل مباشرة في الحكومة العتيدة، وليس بالواسطة كما يقترح الثلاثي الوسطي، ترك انطباعاً جديداً بأن الرئيسين سليمان وسلام تخليا عن فكرة حكومة الأمر الواقع، وقررا إعادة الحرارة الى الاتصالات مع كل الفرقاء المعنيين بالتشكيل وبخاصة مع فريق الثامن من آذار الذي جاهر عبر النائب ميشال عون بعتبه على الرئيس المكلّف بسبب انقطاع التواصل معه ومع فريقه ما يعني أن موضوع الحكومة مؤجل على الأقل حتى نهاية الشهر الجاري وربما الى منتصف شهر أيلول المقبل.
واعتبرت أوساط بعبدا أن شهر أيلول سيحسم ملف تأليف الحكومة، أياً تكن العقبات والمطبات والعراقيل لأنه لم يعد مقبولاً بعد مرور قرابة خمسة أشهر أن تبقي البلاد من دون حكومة.
وفي السياق اعتبرت أوساط قوى 14 آذار أن المناخ غير مؤاتٍ راهناً للتشكيل، ذلك أن الملف الحكومي بات مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمفاصل الأزمة السورية من جهة والتوافق السعودي – الإيراني من جهة ثانية، وأن هذا التوافق الذي حل محل معادلة س.س ليس قريباً، وإن كانت بعض المؤشرات تصب في اتجاه الوصول إليه في مرحلة غير بعيدة، مشيرة في هذا السياق إلى التواصل القائم بين المملكة ورئيس جبهة النضال الوطني والذي يمكن أن يبنى على نتائجه قناعات بأن المملكة لم تبدلّ في مواقفها حيال دعم الشعب اللبناني والوقوف على مسافة واحدة من الجميع خلافاً للشائعات التي يزرعها فريق 8 آذار في البلاد والتي تقول بأن المملكة العربية السعودية هي التي تؤخر قيام حكومة يشترك فيها حزب الله بشكل مباشر.
وبناء على ما أدلى الرئيس المكلّف من إيضاحات حول جنوحه نحو تأليف حكومة أمر واقع أصبح الملف الحكومي مؤجلاً إلى أن تحصل تطورات غير محسوبة وإن كان الرئيس المكلّف لم يُلغِ نهائياً فكرة اللجوء إلى الحكومة الواقعية بعد أن يستنفد كل السبل في الأطراف السياسيين.