عندما كنتُ صغيراً، كنتُ أسمع عِبارة مُلفتة جداً في معناها من بعض رجال تلك الأيام: “اعطيت كلمتي وعا قطع راسي ما بغيّر”. طبعاً لم أكُن أفهم يومَها لا معناها ولا العِبرة من قولِها، الى أن سألتُ والدي يوماً، وجاءَ الشرح كالآتي:
الرجُل الذي يَملِكُ الحدّ الأدنى من الشرف والكرامة والأخلاق والنُبل، لا يحتاج إلّا أن يقولَ كلِمَتهُ في أيّ اتفاقٍ أو تَعَهُدٍ أو صفقَةٍ أو تَفاهُمٍ، فتكون كافية للطَرَف أو الأطراف الأخرى، من دونِ الحاجة الى أيّ إمضاءٍ من قِبَلِهِ، أو أيّ شاهدٍ عليه.
ما زلنا حتى اليوم مُتمَسّكين بهذه النظرية – التُراث التي تَتَحَكّم بتَصَرُفاتنا في حياتِنا اليومية، ما سبّبَ لنا في بعض الأحيان، “فوتة بالحيط”، بسبب العقلية المُختلفة لِمن نتعامَل مَعَهُم في كلّ مجالات الحياة اليومية. هذا على الصعيد الشخصي، فكيفَ إذا انطَبَقَ هذا الواقِع على الصَعيد السياسي، وكم يكون باهِظاً ثَمَن تلك “الفوتة بالحيط”؟؟!!
عادةً ما تكون المُعاملة سَهلة ومُريحة مع أشخاصٍ يَحترِمون ما يقولون ويَفونَ بالوعود التي يقطعونَها للآخرين. أمّا أن تَتَعامل مع أُناسٍ يُغيّرون ليس في كلامِهم وحَسب، بَل ويَتَنكّرون لإمضائِهم وتَعَهُداتهم العلنية، فهي قمة اللاأخلاق واللاشرف واللاكرامة. نَتَعامل بِحُكم الواقع الجغرافي والتاريخي لهذا الوطن المُرَكّب على بَعضِه البعض بتركيبة هشّة ومن كُل وادي عصا، مع أُناسٍ لا تَعني لهُم كلمات مِثل الشرف والكرامة أي شيء. وهنا البعض القليل من الأمثلة النافِرة والمُعبِّرة.
بعد مُوافَقَتهم على اتفاق الطائف على مَضَض، فَرّغوا ذاك الإتفاق من كُلّ مَضامِينِه بِدعمٍ غير محدود من السوريين. والآن وبعدَ الحرب في سوريا، بدأنا نعرف لماذا كان كُلّ هذا الدعم السوري لقِسمٍ كبير من الشيعة في لبنان.
في آخر جلسة حوار سنة 2006، تَعَهّدوا بإبقاء جبهة الجنوب هادئة لتمرير الصيف، الذي كان واعِداً، على خَير. وإذا بِهم يَفتحونَ نارَ جُهَنّم على لبنان واللبنانيين وأردفوها لاحِقاً بِلَو كُنتُ أعلم، لتبرير ما فعلوه. كما أن البُنود التي أتُفِقَ عليها في جلسات الحوار من نَزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وتَرسيم الحُدود وغيرها، لم تستطع الدولة من تنفيذ أي منها، لأنّهم وقّعوا عليها في العَلن ومنعوا تنفيذها لاحقاً في الخفاء.
مُنذُ بداية الحرب في سوريا وهم يملؤون الشاشات بالتصاريح التي تَنفي أيّ تَدَخُل لَهُم هناك، وعندما انكَشَف كذبهم، قالوا إنّنا نَتَدخَل لِحماية الشيعة في الضِيَع المُتاخِمَة للحدود اللبنانية، وعندما انكَشَف كذبهم أكثر وأكثر، قالوا إنّنا نُحارب التكفيريين والسلفيين والقاعدة مَنعاً لِوصولِهم الى لبنان. واليوم يُشاركون في القِتال على كُلّ الجبهات السورية على عينك يا تاجر. واذا تبيّن أنّ هُناك مَجموعة صغيرة لا يتعدى عناصِرُها أصابع اليد الواحدة، ذهبت وبقرار منها للقتال مع الثوار، تَقوم قِيامَتَهم ولا تقعد من كبيرهم الى صغيرهم، يُحاضِرون في العفّة ويُزايدون في الحياد.
عندما بادرَ الرئيس العماد ميشال سليمان الى طرح إعلان بعبدا، مُحاولاً بذلك تَحييد الساحة اللبنانية عن تداعيات الحرب السورية، وبالرُغم من توقيعهم عليه، فقد أتَت تَصرّفاتهم تماماً بِعَكس مَضمون الإتفاق. إنغَمسوا بالحرب في سوريا، لم يتركوا فُرصة لتقويض مؤسسات الدولة، وضعوا لبنان في مواجهة المُجتمع الدولي باستثناء سوريا وإيران. وأخيراً بَقّوا البحصة بأنّ هذا الإتفاق هو مُجرد حِبرٍ على ورق.
وَرد في سورة غافر 28: إنّ الله لا يُهدي مَن هو مسرف كذاب. وعن عائشة بنت أبي بكر: ما كانَ خلقٌ أبغَضُ إلى النبي محمد من الكذب. كما أن النبي محمد يقول: والكذب هو من خِصال المُنافق. إذا حدَّثَ كذِبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا وَعَدَ أخلَفَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ.
وقد قيل للنبي محمد: أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: نعم. فقيل له: أيكون بخيلاً؟ فقال: نعم. فقيل له: أيكون المؤمنُ كذَّاباً؟ فقال: لا
فأين أنتُم من الدين الذي تدّعونَ الدفاع عنه؟ أينَ أنتُم من الله الذي أسمَيتُم حِزبكُم تَيمُناً به؟
كيفَ يتعامل بَقيّة اللبنانيين معكم وأنتم لا تَحتَرمون لا كلامَكُم ولا تواقيعَكُم، لا تلتزمون بِتَعَهُد ولا تَفونَ بِوَعد؟؟ كُلّ شيءٍ مُباحٍ عِندَكُم والفتاوى جاهزة دائماً للتَبرير!!
فعلاً انّها لمُعضِلة كبيرة يَدفَع ثَمَنها كُلّ اللبنانيين، ولكنّ الأكيد والمُحَتّم، أنّ ما طارَ طيرٌ وارتفعَ إلا وكما طارَ وقَع، وهذه الوضعية سوف تَتَغيّر قريباً، وسَيَعود كُلّ واحدٍ الى حَجمِهِ الطبيعي في هذا البلد الذي لَفَظَ وطَرَدَ ومُنذ فجرِ التاريخ، كُلّ غاز ومُحتلّ من الخارج، وكُلّ خائِن ومُتجبّر من الداخل.