لم يخلص الاخوان المسلمون في مصر للوصول الى الاستنتاجات الضرورية المقنعة ان دولتهم التي لم تعمر سوى سنة واحدة قد دالت، وان تجربة حكمهم الرجعي المتخم بالانتهاكات والأخطاء المميتة وسياسة الاستئثار والاستحواذ ودفع البلاد الى أزمة اقتصادية اجتماعية معيشية تداني الافلاس والانهيار المالي قد سقطت سقوطاً مدوياً لم يعد بالامكان ترميمه ولا تعويمه على الاطلاق. ولم يدرك هؤلاء بعد أن حزب الاخوان المسلمين هو مشروع معارضة صاخب قادر على اقتناص أخطاء حكم “مبارك” الفردي الكلياني الذي انهار تحت ضربات المد الجماهيري المصري الهائل، لربما بمقدوره الوصول الى السلطة لكنه مني بهزائم منكرة في قدرته على الحكم. ذلك ان بين الوصول الى السلطة بفضل الاقتراع واللعبة الديموقراطية من جهة والقدرة على الحكم وإدارة المؤسسات وتسييرها وتطويرها عالم هائل من الفروقات من جهة أخرى، فالبون شاسع لم يكن بمقدور جماعة “الاخوان” ادراك أهميته والاضطلاع بمهامه المرحلية الضاغطة.
لقد تعطلت عندهم الرؤيا الضرورية عند محاولتهم توفير شروط حكم عادل متوازن مدرك لحاجات مصر في مجال التنمية والتحديث والعصرنة ومعالجة ناجعة للأخطاء المتوارثة، لا بل سارت قياداتهم ذات المفاهيم المغلقة ونهجهم الوحيد الجانب الضيق الأفق في الاتجاه المعاكس تماماً. فإذا بهم يغرقون في سلسلة من الأخطاء التي لا تسمح لا تركيبة الشعب المصري ولا تاريخه الغني بالتجارب ولا تمسكه الشديد بروح الانفتاح على التيارات الفكرية والحضارية الجديدة ولا حتى بالمشكلات العصية المضنية من الفقر والتعاسة والبطالة بل سوء التغذية حتى الجوع والحاجات الملحة للمسكن اللائق والعناية الصحية وحرية التعبير وابداء الرأي يحصنه قضاء عادل مستقل عن قبضة السلطة السياسية، باستمرارهم في السلطة فما الفرق اذا استبدل الشعب المصري حكم مبارك الفردي بحكم الاخوان الفردي التسلطي الاستئثاري؟ وهل بالامكان حل المشكلات بأن نستبدل ديكتاتورية سقطت بأخرى فئوية ضيقة الأفق وديكتاتور جديد ذا صلاحيات فرعونية؟ فقد ظن الاخوان المسلمون أن مجرد فوز مرشحهم الرئاسي “محمد مرسي” هو الفرصة السانحة للاندفاع والسير بخطى محمومة لأخوَنَة مصر عن بكرة أبيها: الدستور المفبرك لتحرير القوانين، البرلمان المرتجل حيث شراء الضمائر والأفواه المعوزة بالمال والمساعدات العينية، القضاء الذي ظنوه لقمة سائغة لاخضاعه للحزب المستبد الجديد، الصحافة المتوجب كم أفواهها وكسر أقلامها وامتثالها لإرادة السلطان الجديد المتجلبب بالعباءة الدينية، توفير ما أمكن من احتياطي جماهيري من البلطجية والعشائر والعصابات المسلحة التي تعتاش على تهريب السلاح والمخدرات والارهابيين، تكبيل الثقافة والفنون واخضاعها لقوانين ظلامية بلهاء، تهميش المرأة المصرية وطردها من سوق العمل بل إعادتها عنوة أسيرة جدران البيت العائلي والزوجي، الانقضاض على الجيش الوطني المصري وتفكيك أوصاله بل إطلاق النار عليه من الخلف لتدمير معنوياته وكبريائه العقدية…
في الأول من تموز (يوليو) الفائت سقط “مرسي” تحت الضغط الفائق القدرة لحوالي 35 مليون متظاهر مصري وضع حداً نهائياً لتجربة مريرة من حكم الاخوان المسلمين، سارع الجيش للحؤول دون تحولها الى اقتتال داخلي، إلا ان هؤلاء قرروا تعطيل مصر بأكملها، ابتداء من كوبري 6 أوكتوبر وطريق صلاح سالم وميدان رمسيس مروراً بمدينة السويس ووصولاً الى سيناء. فلا رئاسة عدلي منصور المؤقتة مقبولة عندهم، ولا حكومة الببلاوي يرضون المشاركة بها، بل أصبح قائد الجيش اللواء السيسي انقلابياً خطيراً منتهكاً للشرعية. لا بل جرت محاولات دموية متواصلة للانقضاض على الحرس الجمهوري وثكن الجيش والمراكز العسكرية الحساسة. كل ذلك وسط زعاق متواصل من النظامين التركي والايراني للتنديد الكاريكاتوري بالحكم الجديد. لا بل راحت الوفود الأميركية والأوروبية تقوم برحلات مكوكية بين عواصمها والقاهرة ثم تبعتها وفود خليجية كان أخطرها الوفد القطري الذي تترافق اتصالاته مع حملة اعلامية متواصلة تشنها “قناة الجزيرة” القطرية للتحريض ضد حكومة العدلي الببلاوي.
هكذا انكفأ المعتصمون الى ميدان رابعة العدوية وملعب النهضة قرب الجيزة، يقيمون التحصينات من أحجار الطوب وأكياس الرمل وتدريبات شبه علنية على استخدام السلاح وصد فك الاعتصامات بالقوة اذا لزم الأمر.
هذا وحيال الانحسار الشعبي والجماهيري والانهاك الجسدي والنفسي والاشتباكات المتواصلة مع الأهالي لجأت قيادات الاخوان الى آخر أوراقها المتبقية عندما راحت العصابات المسلحة من الارهابيين وتجار المخدرات والسلاح لمزيد من الاعتداء على الجيش والشرطة المصريين في طول سيناء وعرضها حيث تقوم القوات المصرية المسلحة باستئصالهم من الجبال الصحراوية الوعرة المسالك التي يلجأون إليها.
هكذا قاد الاخوان المسلمون أنفسهم في مصر الى مأزق خطير لم يعد من مجال للخروج منه سالمين. فإما الانغلاق وتشكيل جيبين خارجيين على القانون داخل القاهرة وسط اشتباكات متواصلة مع الأهالي تساندهم مجموعات ارهابية في سيناء أو محاولة يائسة للخروج بعد نفاد التموين والدعم ووصول الانهاك الى حدوده القصوى الى ان جرى الاصطدام الدموي بالقوات المسلحة وقوات الأمن والشرطة.
ستة أسابيع وضعتها الهيئة الحكومية المصرية المختلطة للتخلص الميداني وعلى الأرض من ظاهرة “العصيان الاخواني” المطالب أبداً دون توقف بضرورة عودة “مرسي” الى سدة الرئاسة وقد مضى عليه موقوفاً أكثر من 45 يوماً، هذا وسط زعاق وصراخ وجلبة لا مثيل لها لم تكن في حقيقتها سوى نزع ربع الساعة الأخير.
لقد فاز “الاخوان” بالرئاسة عبر صناديق الاقتراع وبالأخص في الريف والصعيد حيث تعشش الأمية، لكنهم سقطوا في القاهرة والاسكندرية وسائر المدن. لقد هزمهم عجزهم عن الحكم وحاجات مصر الملحّة كما أسلفنا الى عيش فيه الحد الأدنى من الخبز والعمل والحرية والكرامة.
أما في تونس فما زالت حركة تمرد في بداية الطريق، وتتشكل هناك جبهة عريضة عمودها الفقري الاتحاد العام التونسي للشغل والجبهة الشعبية ورابطات الفلاحين واتحاد المرأة التونسية ومؤسسات المجتمع المدني لمواجهة ترويكا حركة النهضة المرزوقي الغنوشي العربي، تلك الحركة التي تعاني أزمة داخلية حادة وحيث حكومتها لم تعد قادرة على الاستمرار بعد توالي الاغتيالات السياسية. وليس من باب الصدفة أن يهب لنجدتها في محنتها الارهابيون السلفيون الموالون للقاعدة كخطة ذكية للفت الأنظار والالهاء بعيداً عن الأزمة العميقة التي تهز الداخل حيث تبدو حركة النهضة الى مصير محتوم مماثل لنهاية حكم الاخوان المسلمين في مصر.