ليس على ألسنة من يقولون إنهم حريصون على “لبنان القوي بمقاومته”، وعلى لبنان التغيير والإصلاح، وعلى لبنان المتحفز دائماً لضرب المشروع الأميركي في المنطقة، سوى الرفض القاطع لتشكيل حكومة لا تكون ممثلة للاستقطاب السياسي الحاد، بحسب “الأحجام والأوزان” كما يرونها، وسوى الخوف من احتمال دخول البلد في الفراغ عندما يحين موعد انتخابات رئاسة الجمهورية في شهر أيار من العام المقبل.
لا يعني هؤلاء شيئاً أن يكون لبنان يمر الآن في أزمة اقتصادية خانقة تنذر بالانهيار الكامل، ولا أن تكون غالبية اللبنانيين تخشى يومها وغدها على الصعد الأمنية والاقتصادية الاجتماعية والحياتية كلها، ولا أن يكون هم اللبناني في الفترة الحالية يقتصر على البحث عن لقمة عيش كريم له في الداخل أو ربما فرصة عمل في الخارج، ولا بعد ذلك كله أن يبقى لبنان كما عرفه أهله منذ استقلاله قبل سبعين عاماً أو لا يبقى على الإطلاق.
أكثر من ذلك، لا يعني هؤلاء أنهم هم أنفسهم من عطلوا حكومات “الوحدة الوطنية” التي شكلت في الأعوام الماضية ومنعوها من القيام حتى بأدنى مهامها، وأنهم هم بدورهم من أدخلوا لبنان في الفراغ وحالوا دون انتخاب رئيس للجمهورية على مدى عامين، بل وأنهم هم قبل غيرهم من يتحملون مسؤولية ما بلغه لبنان ووصلت اليه حال اللبنانيين في هذه المرحلة من حياتهم.
وليس على ألسنة هؤلاء، لا سيما في الأيام الأخيرة، سوى تحرير القدس والعمل بكل وسيلة للحيلولة دون “بيع فلسطين” من قبل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بعد استئناف المفاوضات مع إسرائيل برعاية واشنطن، وسوى الدفاع عن النظامين السوري والإيراني بوصفهما أساس ما يسمى “المقاومة والممانعة” في وجه ما يسمى بدوره “مشروع الشرق الأوسط الكبير”، وصولاً في المدة الأخيرة الى بعبع التكفيريين الذي يجري تكبيره والتعظيم من خطره، ليس في سوريا والعراق فقط وإنما في لبنان أيضاً.
وليس جديداً القول إن ما تلهج به هذه الألسنة في العلن يتم بثه شعبياً كذلك وعلى أكثر من مستوى، طائفي ومذهبي ومناطقي، على مساحة مناطق لبنان كلها، في الوقت الذي تتصاعد فيه حملة عنصرية بشعة ضد النازحين السوريين ومطالبة البعض بإقفال حدود لبنان في وجوههم وحتى بطرد من يتواجد منهم فيه الى أماكن أخرى في العالم العربي، كما يجري تعظيم شأن التكفيريين فيه، أو إمكان وصولهم اليه، والمخاطر التي يشكلونها على الأقليات فيه.
لكأن الخطر على لبنان غير موجود إلا في الخارج، الإسرائيلي والتكفيري والأميركي، ولا يأتي عملياً إلا منه!. ولكأن سلسلة الانهيارات التي ضربت اللبنانيين في أسس حياتهم وأنزلت الى ما يقرب من الكارثة مستوى معيشتهم، فضلاً عن أمنهم العام والشخصي، هي من فعل هذا الخارج ولا علاقة لقواهم السياسية هذه بها من قريب أو بعيد!. أو لكأن خلاص لبنان من أزماته لا يمكن أن يأتي الا بانتصار جبهة “المقاومة والممانعة”، أو أقله بمنع محمود عباس من “بيع فلسطين” للإسرائيليين أو إفشال مشروع الهيمنة الأميركية على المنطقة!.
لكن لماذا هذا “النأي بالنفس”(بدعة هؤلاء تجاه سوريا، بغض النظر عن كيفية تطبيقها) عن لبنان واللبنانيين بينما الحال اللبنانية على ما هي عليه من تدهور على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية والمالية والحياتية كلها؟.
لا مبالغة في القول إن الطرف الأول بين هؤلاء، “حزب الله”، لا يرى نفسه إلا في حرب استراتيجية دائمة، ساخنة تارة وباردة تارة أخرى، على مساحة المنطقة وحتى العالم كله، وهو لذلك لا يرى لبنان إلا من هذه الزاوية من دون ما عداها. وإذا كانت “المقاومة” عنواناً و”الممانعة” عنواناً آخر، فلم يعد يخفى على أحد أن مضمونهما يعني بالنسبة للبنان إبقاء البلد وأهله ومستقبله رهن انتهاء هذه الحرب… إذا كانت لهذه الحرب نهاية في يوم قريب أو بعيد.
هكذا كانت الحال في خلال الأعوام الماضية، سواء كان الشعار تحرير الجنوب والبقاع الغربي أو لاحقاً ما بقي تحت الاحتلال من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، أو كان كما في المدة الأخيرة القتال في سوريا دفاعاً عن النظام فيها أو محاربة التكفيريين هناك قبل وصولهم الى لبنان. وعملياً، فإذا كان من تفسير لقول أمين عام الحزب السيد حسن نصر الله أخيراً “أن شيعة علي بن أبي طالب في العالم (ليس في لبنان وحده) لن ينسوا القدس”، فهو هذا المعنى ولا شيء غيره.
أما الأطراف الأخرى، وكلها تنضوي الى قوى 8 آذار، فلا حاجة للقول كذلك إن آخر ما يهمها هو لبنان ومستقبله وإن كانت تختبئ وراء لافتات تحمل هذا الشعار. بينها من لا يرى لبنان إلا من خلال مشاركته الفاعلة في الحكومة الآن، ولاحقاً من خلال ما يعتبره أحقيته الاستثنائية برئاسة الجمهورية. وبينها من لا يرى لبنان إلا من زاوية المقولة التي أطلقها نظام حافظ وبشارالأسد عن “وحدة المسار والمصير”، وبالتالي تحكمه بالسياسة والسلطة والثروة فيه من خلال علاقته بصاحب هذه المقولة. لكن بينها دائماً وأخيراً، من أمكنه على مدى الفترة الماضية أن يجير لصالحه وجماعته حالة الفوضى في الإدارة والقضاء ومؤسسات الدولة والحدود السائبة والجمارك والصناعات الممنوعة وما اليها.
هل تجيب السطور السابقة عن أسئلة اللبنانيين لماذا هم متروكون لقدرهم؟. بل لماذا لا يهتم أحد بوضعهم الحياتي المزري على كل صعيد، أقله بتسهيل تشكيل حكومة، فيما لا حديث يصل الى مسامعهم إلا حديث الفراغ السياسي في الداخل والحرب الدائمة في الخارج؟.