#adsense

السيّد لو ذَهَبَ إلى المنازلة… لوحده

حجم الخط

 

لم يكد السيد حسن نصر الله يفرغ من بلورة تعريفه الجديد للصراع العربي ـ الصهيوني في يوم القدس العالمي كصراع تنافسي، تناحري، بين السنّة والشيعة، لمعرفة من منهم الأقدر على حمل راية فلسطين، حتى دفعه التفجير الإرهابي الأخير في الضاحية الجنوبية إلى تحديد مزيد لجوهر هذا الصراع: فهو يقتضي المواقعة، أو المنازلة، بين “البطل المهدويّ” وبين “التكفيريّ الكافر”، وجهاً لوجه، كلّ على صهوة جواده. وإلا فما معنى كلام السيد عن تأهّبه للذهاب بنفسه للقتال في سوريا؟

منسوب “المهدويّة” يتضاعف في كلام السيد في الآونة الأخيرة. المعركة تزداد احتداماً عنده بين الخير والشرّ. الخير والشرّ يتحرّران أكثر فأكثر من صورهما التاريخية. يصبح بالإمكان اختصارهما في المنازلة المنتظرة بين فردين يلخّصان التاريخ: السيد حسن نصر الله بالنيابة عن الخير من ناحية، وأبو محمد الجولاني أو أبو بكر البغدادي أو أيمن الظواهري بالنيابة عن الشر من ناحية ثانية.

اللافت، أنه كلّما ارتفع منسوب المهدوية في مواقف السيد، كلّما قلّت الحاجة إلى الاستعانة بآثار الأئمة من آل البيت، بل اضمحلّت الحاجة إلى المقولات الخمينية نفسها.

فالخمينية، رغم كل شيء، لا تطلق العنان للنزعة المهدوية من دون ضوابط. هي معنية بتسيير أحوال الناس في فترة الغيبة الكبرى للإمام الغائب قدر ما هي تتشوّق لعلامات ظهوره وتتحيّنها. وبهذا المعنى، فإن إيران بعد الثورة تنقّلت بين فترات تطلق فيها العنان للنزعة المهدوية التعجيلية للخلاص، وبين فترات تعيدُ فيها الاعتبار لفضائل الانتظار ومستلزماته.

في المقابل، تكاد أن تنعدم مشروعيّة الانتظار في الأداء الخطابي الأخير لحسن نصر الله. يبدو الشخص في عجلة من أمره، يريد تحرير الجليل، والجولان، ويريد الذهاب للقتال بنفسه في سوريا ضدّ “التكفيريين الجهاديين”.

ومع انعدام مشروعية الانتظار، يصير السيد في دوره الخطابي أكثر احتكاماً إلى طرائف الحداثة: نزعة تفاؤلية مفرطة في تمسّكها بالحتمية التاريخية، معمّدة، ستراً وغطاء، كـ”نصر إلهيّ”، في حين أنها لا تترك مجالاً للامتحان الإلهيّ، وللمشيئة الربّانية. “سلاحٌ” يجري الاسترسال في وصف أحواله كأنّه جسم ملكوتيّ، بل جبروتيّ، مستقلّ بذاته عمّن يصنعه وعمّن يُحارِبُ ويُحارَب به.

وإذا كان تمجيد “الحتمية التاريخية” في صيغة “النصر الإلهيّ”، يتسلّل الى خطاب السيد حسن نصر الله، بالتواتر، من معين الماركسية اللينينية، وإذا كان تمجيد “السلاح” يأتيه، أيضاً بالتواتر، من معين الحركات الفاشية الأوروبية أو حركات التحرّر الوطنيّ العالمثالثية على حدّ سواء، فإنّ الأكثر إشكالية هو أخذه بمفهوم “الإرهاب”، وهذا يأتيه، بالشكل الإطلاقيّ والمعمّم من دون فحص ولا نظر، من عند دونالد رامسفيلد وعتاة المحافظين الجدد.

وإذا كان السيد حسن قد عمل في نهاية حرب تموز إلى المقولة الاصطفائية “أشرف الناس”، فإن لهذه المقولة دلالتين: واحدة استعلائية، على الملل والأقوام اللبنانية الأخرى من ناحية، وثانية، تواصلية، انسيابية، بين الحزب والطائفة الشيعية من ناحية.

وإذا كان اشتداد النزعة المهدوية في خطاب السيد هو في جزء أساسيّ منه، من باب رفع مستوى التأكيد، على الوحدة المطلقة بين الحزب والطائفة، فإنّ ثنائية الجمع لدى “حزب الله” بين انتهاج الإرهاب على طريقة الثمانينات من ناحية، وبين مكافحته، على الطريقة الرامسفيلدية من ناحية، إنّما تبقي مجالاً، ولو ضيّقاً، لتسلّل السؤال: هل تريدُ يا سيّد أن تذهب قبل سواك للمنازلة والفصل بين الخير والشرّ في سوريا، أو أنّ الفحوى من كلامك، هو إرسال شباب الضاحية كلّهم الى هناك؟
بعض المهدوية يراد منه الجمع بين مقولتين: “أشرف الناس”… و”التجنيد الإجباري”!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل