تناولت إحدى المجلاّت البريطانيّة “دايت” موضوعاً في غاية الأهميّة، يتعلّق بالصحّة النفسيّة، وأشارت الى أنّ نَبتَة “الميرامية” أو المَردَكوش قد تلعب دوراً أساسيّاً في تقوية الخلايا العصبيّة الدّماغيّة، وبالتالي في تأخير ما يُسَمّى العُته الدّماغي. وتُستَخدَم هذه النّبتة حالياً لتحسين الإتّصالات العصبيّة الدماغيّة ما يساعد على التركيز والرويّة وبالتالي تمتين حال الوعي. من المُفرِح أنّ نبتة المردكوش موجودة في بلادنا وبوَفرة، ومن الجيّد ايضاً أنّ كثيرين عندنا يستطيعون الإستفادة من خدماتها، مِمَّن يتعاطون الشأن العام، أو ممّن يُتحِفوننا بظهوراتهم المتكرّرة على الشاشات وبألف لَقَب ولَقَب.
إنّ الملاحظات والنّصائح التي انهمرت على هؤلاء لم تُفْضِ الى أيّ نتيجة، على مستوى رفع سقف المُراجعة والغَربَلة والمراقبة قبل إطلاق سراح التّصريحات والطلاّت وتركيب الكلام. بمعنى أن لا معركة مفصليّة في عقولهم بين ما يُراد وما ينبغي، أو بين الأنا الأعلى المُهَذِّب والمُشَذِّب وبين الإحساس بالدَّغدَغَة، وحتى النّشوة عند بعضهم، جرّاء الإستفاضة في هوامش الكلام وما تستدعي من بَسمات المُتَلَقّين الفارغة. من هنا، أصبح واجِباً مُلِحّاً تعديل الموازين التي ترعى العلاقة بين عمل العقل وبين ما يتفلّت منه، لئلاّ يصل الفكر الى حدود الخطوط الحُمر.
تتالت الحوادث في الآونة الأخيرة، ومنها المُؤسف الدّامي، ما استوجب، موضوعيّاً، أن تتفاضل كفّة الصّمت المُحترِم لإصابة الوطن بضحايا الفواجع وفداحة التّداعيات، على كفّة الثرثرة والضّجيج الكلاميّ وكشف الخَواصر. غير أنّ المُصابين بالتأخّر الذّهني والعاجزين عن التكيّف مع مُقتَضيات الأحداث والوقائع، أطلقوا العَنان لألسنتهم العاكِسة للتدنّي الواضح في قُدراتهم العقليّة ولِقُصور سلوكهم التكيّفي، فَبَدا واضحاً التَّبايُن بين عمرهم الذّهني وعمرهم الزّمني. هؤلاء المُفَوَّهون الذين يُتقِنون صِناعة الكلام الهابِط، في خَلطَة واحدة مُعَدَّة سلفاً في غالب الأحيان، يبرعون في تضليل الرأي العام وأنفسهم أيضاً، بالإضافة الى أنّ ما ينطقون به من “جواهر” لا يُسْمِن ولا يُغني من جوع. فالحوادث الحاليّة تعبّر عن نفسها، من دون الحاجة الى مداخلات هؤلاء الغيارى الذين يساهمون جديّاً وبِبَلادة في تشويه الوقائع وفي احتقار عقول الناس، بكلام ممجوج تفوح منه روائح الدَّجل والإثارة والتّحريض، ويفتَرُّ عن سوق نخاسة سياسية ومذهبيّة تنسحب على امتداد الشاشات الصّفراء. هؤلاء الفَعَلة السياسيّون الغائِصون في الوحل ينفرون من المنطق والوطنيّة والأخلاق، كما تنفر فتاة الهوى من مجلس الشّرف.
إنّ تَداوُل الواقع بهذا المستوى من التّشويه، والتَنافس في التّقبيح، وتجاوز المَقبول في التّحليل المُتَخَيَّل أكثره والدّافع الى الفِتنة، كلّ ذلك يدفعنا الى دعوة أصحاب الخطابات المُسِفَّة للقيام بنزهات في الطّبيعة اللبنانيّة، علَّهم يلُمّون بعض العقل وهم يُلَملِمون بعض المَردَكوش.