| «حزب الله» غارق في دوامة القتال لإنقاذ نظام الأسد من السقوط خيار الإستمرار مُكلِف سياسياً وبشرياً أكثر من خيار الإنسحاب الفوري الحزب يدور حالياً في دوّامة انغماسه حتى العظم في الصراع العسكري، فانتهاء معركة القصير و«الانتصارات» التي حققها لم توقف خسارته لمقاتليه |
بعد أسابيع عديدة من نجاح النظام السوري وبدعم كبير من «حزب الله» من إستعادة السيطرة على بلدة القصير القريبة نسبياً من الحدود اللبنانية والمعزولة عن باقي المناطق السورية الملتهبة، لم يستطع الحزب الذي زج بالآلاف من خيرة عناصره المدربة وسلاحه وعتاده الحربي المخصص لمواجهةالعدو الاسرائيلي، كما كان يدعي ويوهم اللبنانيين بذلك، من تعميم هذا النموذج من البطولات «الوهمية» على جبهات ومدن ومناطق إستراتيجية ومهمة إستولت عليها المعارضة السورية باستثناء إختراقات محدودة جداً لبعض الأحياء والمساحات الضيقة والمحدودة كما حصل في حمص مثلاً وهي لا تقارن أبداً باكتساح المعارضة لقواعد عسكرية ومطارات ومناطق استراتيجية واسعة في حلب وإدلب ودرعا وحتى قرب مسقط رئيس النظام بشار الأسد في ريف اللاذقية، بالرغم من أرجحية كفة التسليح والامكانيات العسكرية والمادية للنظام والحزب من قبل إيران وروسيا، وهو ما يخالف كلياً ما وعد به الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله جمهوره ومؤيديه غداة إسقاط مدينة القصير والاحتفال بتهديمها وقتل أهلها وتشريدهم، الأمر الذي طرح تساؤلات واستفسارات متواصلة بين كبار المسؤولين في الحزب لدى تقييمهم المستمر لاثار ونتائج تدّخل الحزب بهذه الحرب التي يشنها النظام السوري ضد شعبه منذ أكثر من سنتين، بعدما تبيّن أن دهاليز وتشابكات هذا الصراع أكبر بكثير من أوهام تحقيق «الانتصارات» و«البطولات» النظرية التي روج لها قادة ومنظرو الحزب إعلامياً لترهيب خصومهم السياسيين في الداخل ولامتصاص نقمة الأهالي والعائلات التي فقدت ابناءها في معركة الدفاع عن نظام الرئيس الأسد هذه المرة وليس في مواجهة العدو الإسرائيلي كما دربت على ذلك.
ولعل هذا الواقع المخالف لكل التوقعات، استوجب حسب أحد القريبين من الحزب عقد جلسات تقييم وتشاور على أعلى المستويات بين كبار المسؤولين في الحزب، تمت خلالها مناقشة تفصيلية لكل مراحل تدخل الحزب عسكرياً وما حققته من «انجازات» كما وصفها البعض لتقوية صمود النظام ومنع سقوطه بالسرعة التي كان من الممكن حدوثها، لولا تدخل الحزب في الوقت المناسب لمنع تمدد المعارضة السورية وإحكام سيطرتها على مقرات النظام في قلب العاصمة السورية بعدما سيطرت على العديد من المناطق القريبة وبسرعة قياسية.
ولكن مقابل ما وصف بالانجازات، طرحت اثار التداعيات السلبية والسياسية لهذا التدخل المرفوض من أكثرية اللبنانيين والعرب والمجتمع الدولي، والتي باتت تحاصر الحزب من كل اتجاه وتفاعلاتها الضارة على مبدأ المقاومة ضد إسرائيل بالتحديد، باعتبار أن تدخل الحزب في الصراع السوري إلى جانب الأسد لم يؤد فقط إلى إثارة النقمة على الحزب واتساع حلقة المعارضة ضده، بل إلى إسقاط صفة المقاومة عنه كذلك وإضعاف حجة التمسك بهذا السلاح بعيداً عن سلطة الشرعية اللبنانية وقرارها وزيادة الضغوطات التي تمارس عليه بالداخل والخارج على حد سواء.
وبرغم ارجحية المواقف الداعية لاستمرار هذا التدخل من قبل الحزب إلى جانب النظام السوري كما ينقل القريب عن الحزب، باعتبار أن بقاء النظام حتى في الوضعية التي وصل إليها في الوقت الحاضر، يعتبر «انتصاراً» للحزب وللمحور الذي ينتمي اليه ويمكن أن يشهد الواقع القائم تحسناً ملموساً في الأسابيع القليلة المقبلة استناداً إلى تردد الولايات المتحدة والغرب عموماً في التدخل بفاعلية إلى جانب المعارضة والامتناع عن تسليحها ولوقوف روسيا القوي والثابت إلى جانب النظام وعدم قدرة المعارضة السورية على التوحد والعمل يداً واحدة، إلا أن بعض الخلاصات التي خرج بها المجتمعون لم تخل من قلق وخشية من تداعيات ونتائج هذا التدخل العسكري الواسع للحزب في الصراع العسكري الدائر في سوريا، الا ان التعبير الواضح والصريح عن هذا القلق بقي في إطار النقاش الضيق ولم يخرج إلى حدّ الخلاف، لأن قرار التدخل يخرج عن إطار النقاش الداخلي والتشاور بين كبار المسؤولين ويتعداه الى ما ترسمه القيادة الايرانية في هذا الخصوص كما هو معلوم للقاصي والداني على حدّ سواء.
والخلاصة التي خرج بها القريب من الحزب، أن أي خيار سيتخذه الحزب، إن كان الاستمرار بالقتال إلى جانب نظام الأسد ضد الثوار السوريين كما يفعل في الوقت الحاضر أو باتخاذ قرار سريع بالانسحاب قريباً من الصراع السوري، سيشكل خسارة له، ولكن بالطبع فان الخيار الأوّل سيزيد من حجم الخسائر البشرية والسياسية والمعنوية ولا يمكن لأحد التكهن بمدى حجم هذه الخسارة، في حين أن الخيار الثاني سيحد من هذه الخسارة بالرغم مما تكبده الحزب حتى الآن. وفي اعتقاده فان الحزب يدور حالياً في دوّامة انغماسه حتى العظم في الصراع العسكري، فانتهاء معركة القصير و«الانتصارات» التي حققها لم توقف خسارته لمقاتليه على جبهات القتال المتعددة ولم تتحقق وعود الأمين العام للحزب بمنع ما يسميهم بالتكفيريين من الانتقام والدخول إلى عقر دار الحزب بالضاحية الجنوبية وغيرها واستهداف الآمنين كما وعد جمهوره بذلك، وهو لن يستطيع الخروج من هذه الدوامة بمفرده، الا إذا طرأ تطور ما على صعيد السياسة الإيرانية للرئيس الايراني الجديد استوجب تبدلاً في التعاطي مع الأزمة السورية، وهذا لا يبدو ظاهراً في المدى المنظور.