| |
إنقاذ لبنان من الانزلاق إلى مهاوي التفجيرات الإجرامية، والعودة إلى جهنم الحروب العبثية مرّة أخرى، لا يتم بالخطابات العنترية، ولا تُفيده السجالات السياسية العقيمة!
الوضع اللبناني يقف فعلاً على حافة الانفجار والانهيار، في هذه الأيام الحبلى بالأحداث والأحقاد، والحافلة بالمواجهات الدامية، والتناقضات المتزايدة، والتي تُهدّد بسقوط السقف فوق رؤوس الجميع، بحيث لا أحد يخرج منتصراً، وقد لا يبقى شيء يُبرّر وجود من يبقى على قيد الحياة!
تفجير الضاحية الإجرامي جاء بالمشهد الذي كنا دائماً نُحذّر من مخاطره، وأوقع من الضحايا ما كنا دائماً نربأ بخسارتها، بمثل هذه الوقيعة الخسيسة، بعيداً عن أرض المواجهة مع العدو الإسرائيلي، مغتصب القدس الشريف، ومُهدّد الغد والمصير.
لم تعد الفتنة مجرّد حديث في صالون سياسي، ولا مجموعة هواجس وكلمات على منبر خطابي!
ولم تعد تكتفي بالوقوف على أبواب أوطاننا، متحينة الفرصة المناسبة لاقتحامنا، من دون الحاجة إلى طرق الباب، أو أي نوع من الاستئذان.
علينا أن نعترف، بكل جرأة وإقدام، بأن الفتنة دخلت بيوتنا، وتعمل على شق صفوفنا، وتُمعن في تمزيق نسيجنا، ونحن نصبّ الزيت على نيرانها الخبيثة، ونتفاخر بخلافاتنا، ونتلذذ بدماء أبريائنا، ولا نخجل من عجزنا على التصدّي لأخطر الفتن التي عرفتها المنطقة في العصر الحديث، والتي تحاول إعادتنا إلى زمن الفتنة الكبرى، التي أشعلها أعداء الدين الحنيف!
* * *
آن الأوان أن ندرك جيداً، بأن إنقاذ هذا الشعب الطيّب من نيران الفتنة التي يُشعلها أعداء الأمة، لا يتم بتراشق الاتهامات، وإطلاق التهديدات، بقدر ما هو مطلوب الجلوس معاً، والتفكير سوياً بالعواقب وسوء المصير، في حال اندلعت نار الفتنة، وصولاً إلى اعتماد خطة مشتركة لإفشال العدو في تحقيق الأهداف التي عجز عن الوصول إليها في حروبه المتكررة.
ليس بين اللبنانيين من لا يستوعب حجم التعقيدات والتدخلات الخارجية المحيطة بالأزمة المتفاقمة حالياً في البلد، والتي أصبحت تُشكّل خطراً على نظامه السياسي، وعلى صيغته الوطنية في العيش المشترك بين كل اللبنانيين.
ولكن، ليس بين اللبنانيين أيضاً من يحلم، أو حتى يراهن، على إمكانية معالجة الصراعات السياسية والطائفية والمذهبية المحتدمة، بكبسة زر، أو بسحر ساحر، على اعتبار أن الأزمة الداخلية هي وليدة مسلسل الأزمات الذي يحيق بالمنطقة حالياً، ويزلزل استقرار بلدانها!
كل ما هو مطلوب حالياً، وبعيداً عن الحسابات الفئوية والحزبية الضيقة، هو تنظيم خلافاتنا، الطارئ منها والمزمن، والتوافق على تجنيب البلد ارتدادات البراكين المتفجرة في الإقليم، وتحديد الحد الأدنى من النقاط ، ولا نقول القواسم!! المشتركة، التي تصلح لتكون موقع الانطلاق لمسيرة إنقاذ البلاد والعباد من المصير المحتوم، وذلك قبل فوات الأوان!
رب قائل: وكيف يمكن لمثل هذا التوافق أن يتحقق، في ظل هيمنة الحرب السورية على الوضع اللبناني المنقسم بين فريق 8 آذار وحزب الله الداعم للنظام في سوريا، وفريق 14 آذار وتيار المستقبل المؤيد للمعارضة السورية!
الواقع، أن التسليم بهذا الواقع المرير، والاستسلام المخجل لمفاعيله المدمرة سيجرّ على البلد المزيد من الحروب والويلات، في حين أن التصدّي بشجاعة لهذه الحالة المسرطنة، سيُجدّد الآمال بحياة سياسية أكثر استقراراً، وبأوضاع داخلية أكثر أمناً، وبجبهة داخلية أكثر تماسكاً!
* * *
إن إنقاذ لبنان، ومعه كل اللبنانيين، من كوابيس السيّارات المتفجرة، ومن شياطين الحروب العبثية، يتطلب من القادة السياسيين الارتفاع فوق مستوى خلافاتهم المحلية الضيّقة، واتخاذ قرارات جريئة، تُحاكي القرارات الصعبة التي اتخذها قادة تاريخيون في المفاصل الحرجة.
{ الرئيس جمال عبد الناصر اعترف بهزيمة 5 حزيران وقدّم استقالته من الرئاسة والزعامة، إنقاذاً لكرامة مصر وجيشها من تداعيات حرب حزيران 1967.
{ الملك فيصل بن عبد العزيز اتخذ قرار وقف ضخ النفط للغرب في حرب تشرين 1973، رغم إدراكه المسبق بمخاطر وتبعات هذا القرار التاريخي، والذي استشهد من أجله.
{ الإمام الخميني تجرّع «الكأس المرّ»، ووافق على قرار وقف الحرب مع العراق، إنقاذاً للبلاد من ويلات ومآسي المعارك التي وصلت إلى طهران.
فهل القيادات اللبنانية قادرة على اتخاذ قرارات جريئة، وقد تكون صعبة، إنقاذاً للبلاد والعباد من نيران الفتنة الجهنمية؟
وهل يستطيع «حزب الله»، مثلاً، أن يُعيد النظر بحسابات انخراطه في الحرب السورية، ولو على مستوى حصر مهمته في الدفاع عن مقام السيدة زينب؟
وهل تيّار المستقبل، ومعه فريق 14 آذار، في وارد تقييم موقفه من اشتراك «حزب الله» في الحكومة العتيدة؟
تساؤلات تبحث عن منقذ من السقوط في الهاوية!