#adsense

.. لو لم يحبسوا “داتا” الاتصالات

حجم الخط

 

منذ تفجير الرويس يوم الخميس الماضي، يدخل لبنان سباقاً محموماً مع السيارات المفخخة، سواء الصحيحة منها، التي ضبطت قبل أن تصل الى هدفها، أم المزيفة التي تدخل في سياق حرب شائعات ترعب المواطنين من كل الطوائف والمناطق والانتماءات، وتقضّ مضاجع الأجهزة الأمنية على اختلاف وحداتها وقطعاتها.

هذه الحرب النفسية ما كانت لتقع لو لم يكن البلد مكشوفاً أمنياً الى هذه الحد، ولو لم يتورط “حزب الله” ويورط البلد معه في المستنقع السوري الدامي، الذي أخذ اللبنانيين اليه رغماً عن إرادتهم بذريعة الحرب الاستباقية، وقطع الطريق على وصول التكفيريين الى لبنان، من دون أن يأخذ في الاعتبار النتائج الكارثية لهذه المغامرة غير المحسوبة.

لا يخفى على أحد أن الأجهزة الأمنية الرسمية تبذل في هذه الأيام جهوداً جبارة وغير مسبوقة، وتحقق إنجازات نوعية من خلال القبض على بعض المجموعات الإرهابية، التي نفذت عمليات أمنية في مناطق مختلفة، وإحباط عمليات خطيرة لو قدر لها أن تنجح لتسببت بمجازر بشرية كبيرة، كما حصل في ضبط السيارة المفخخة في الناعمة، وتوقيف بعض المسؤولين عنها، فضلاً عما تردد عن الإمساك بخيوط تتعلق بتفجير بئر العبد الذي وقع في التاسع من تموز الماضي. وهذه الإنجازات لم تكن لتحصل لولا أمرين أساسيين، الأول تعاون الأجهزة الأمنية على اختلافها في استثمار المعلومات التي توفرت لديها وتعقب خيوطها بشكال سري وناجح، والثاني إفراج الجهات المختصة لا سيما وزارة الاتصالات عن داتا الاتصالات بوحي سياسي ما، الأمر الذي سمح برصد تحركات هذه المجموعات، وتتبع خطواتها الى حين القبض على بعض أفرادها.

هذا النجاح الذي يأتي اليوم ولو متأخراً، كان يمكن أن يتحقق في مرحلة سابقة، ويجنّب البلد معظم المآسي التي بلغتها، عندما كانت قوى الأمن الداخلي، لا سيما شعبة المعلومات تطلب إعطاءها الداتا لرصد وتعقب بعض المجموعات الإرهابية، وكانت وزارة الاتصالات ومن يقف وراءها بالسياسة يخونون هذا الجهاز الأمني ويمنعون إعطاءه قاعدة بيانات الاتصالات، بذريعة كشف خصوصيات الشعب اللبناني وأسراره، ما أدى الى تكبيلها لسنتين وأكثر، الى أن وقع المحظور وتغلغلت الشبكات الإرهابية في كل الأراضي اللبنانية وقوي ساعدها، وباتت تهدد كل الوطن، وبدأت توزيع سياراتها المفخخة وعبواتها الناسفة وصواريخها في كل مكان، ولم يقتنع “الممانعون” بجدوى توفير الداتا للأجهزة الأمنية إلا عندما أصبح موس الإرهاب على رقاب الجميع، وبات ينذر بقطع الأعناق من دون استثناء.

أما وأن المسؤولين عن هذا الملف اقتنعوا بجدوى “الداتا”، وبدأوا بتوفيرها للأجهزة الأمنية فهذا أمر إيجابي، لكن ذلك يجب أن لا يقتصر على قضية دون أخرى، ولا على جهاز أمني دون الآخر، إنما يستوجب المتابعة والاستكمال بخطوات مجدية، تبدأ بخطة أمنية شاملة تأخذ فيها كل الأجهزة دورها، وتقلع بعض الجهات عن تخوين بعض المؤسسات الأمنية وتطييفها ومذهبتها وإلصاقها بفريق سياسي معين، كما حصل ويحصل اليوم مع شعبة المعلومات التي ينكرون عليها إنجازاتها وما تحقق على الصعيد الوطني.
إذا كانت المصلحة الوطنية وحماية اللبنانيين باتت أولوية لدى البعض بعد ما جرى في الضاحية وما تكشفه القوى الأمنية من مخططات تهدد حياة الناس وأمن البلد واستقراره، فإن الواجب يقتضي التسليم بدور الدولة، وإطلاق يدها ومساعدة أجهزتها الرسمية على القيام بدورها، والتوقف عن إغلاق مناطق بكاملها في وجهها، والتسليم بأن الأمن الذاتي لا يمكن أن يحمي فئة أو منطقة أو فريقاً مهما كانت قدراته وقوته التسليحية والأمنية، والتجربة أثبتت أيضاً أن لا أحد بإمكانه أن يحلّ محل الدولة، ومن هنا فإن الحماية الحقيقية لجميع اللبنانيين تبقى أولاً وأخيراً في التسليم بمشروع الدولة، وأن يكون الكل تحت سقفها ومحتكماًَ لدستورها وأنظمتها وقوانينها، وأن يقلع عن تقديم مصلحته الفئوية الضيقة على المصلحة العامة.

وفي متابعة لهذه القضية، يؤكد خبراء أمنيون مواكبون لما يجري لـ”المستقبل”، أن “الكيل بمكيالين والتعامل مع الأجهزة الأمنية على قاعدة، جهاز بسمنة وجهاز بزيت يشكل قمة الوقاحة”. ويعتبرون أن “داتا الاتصالات كانت ممنوعة على قوى الأمن الداخلي عند محاولة اغتيال رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع والنائب بطرس حرب وعند اغتيال رئيس شعبة المعلومات اللواء وسام الحسن، بحجة أنها تمس خصوصيات المواطنين، أما عندما بات الخطر يتهدد قوى الثامن من آذار، أعطيت الداتا بكل سهولة، علماً أن هذا الأمر يُعدّ خطوة مهمة وتساعد في حماية البلد”. ويكشف الخبراء أن “إعطاء الداتا لم يقتصر على الاتصالات إنما يشمل اليوم رسائل الـ(SMS) أيضاً”. ويرى الخبراء أن “الهدف من حجب الداتا منذ أكثر من سنتين لم تكن الغيرة على خصوصيات الناس كما يدعي البعض، إنما طمس شعبة المعلومات وتحجيمها لصالح جهاز أمني آخر، علماً أن أي جهاز مهما حقق من نجاحات في الوقت الراهن، لا يمكنه أن يحل محل شعبة المعلومات أو يتقدم عليها، لأنها تملك من الخبرة والحرفية والكفاءة ما لا يملكه أي جهاز آخر، وهذا فيه مصلحة للدولة وللبلد وللشعب اللبناني”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل