فوزير الخارجية مثلا، الذي يطبّق سياسة الحكومة المتلازمة مع مسار ومصير النظام السوري، وهو المسؤول عن العلاقات الديبلوماسية بين لبنان والعالم، لا يأبه للإعتداء الذي تقوم به الأطراف في الداخل السوري، وعدم اعتراضه هذا الذي يصبّه بالكامل على اسرائيل التي تعتدي بدورها على لبنان.
لكن صبر رئيس الجمهورية بدأ ينفد من الخروق التي تتعرض لها الأراضي اللبنانية على الحدود مع سوريا، كما أنه “يأس” من وزير طالبه مرات عدة بتقديم شكاوى لخروق النظام السوري، وصار في المدة الأخيرة يقوم بنفسه بما على الوزراء فعله.. فالرئيس القلق على لبنان وشعبه لا يجاريه بخوفه هذا الوزير المعني، الساكت على اعتداءات نظام غارق في دمائه.
رئيس الجمهورية قد يكون أكثر اللبنانيين قلقا لأنه يقلق أربعة ملايين مرة، على عدد سكان الوطن الصغير، ويطال اهتمامه كل مناطق لبنان إن كان في قصر بعبدا أو في بيت الدين، والدليل أنه أنقذ “نهر البارد” في العام 2008 من الإرهاب وكسر خطوطها الحمراء. ومنذ ذلك الحين، اندلع التحدي بين الرئيس والمهددين بالخطوط الحمراء. فأقل ما يمكن أن يقدّمه رئيس الجمهورية، لشعبه الذي استنكر الإعتداء على بعبدا بالصواريخ ليلة عيد الجيش هو القلق، على ان يصل الى أعلى درجات الإستياء، ليصدر الأوامر بالتصدي.
وما يمرّ به سليمان اليوم، هو أعلى درجات الإستياء والغضب، وبصفته القائد الأعلى للقوات المسلّحة، أصدر أوامره وترك حرية التصرف لقيادة الجيش. فهو أكثر العارفين بما يحيكه النظام السوري وما يفصّله لخراب لبنان، فالنظام لم يعتدْ على كونه يفقد شيئا من سلطته في الداخل اللبناني من خلال بعض أدواته، لذا حرّك صواريخه.
إذاً إنها صواريخ النظام السوري ومَن غيره، تستهدف كل مكان يزعج “نيرون العرب” القابع في مخبأه، وتتوجّه الى كل مَن لا يروق له، ولا يخضع لأوامره. وكما بإمكان الصواريخ أن تطال الأراضي اللبنانية المحاذية لسوريا، فبإمكانها أن تطال مواقع أخرى في الداخل.. المهمّ أنها تستهدف الرئيس كما تستهدف الشعب.
الرئيس لا يخفي “استيائه البالغ وقلقه الشديد جراء استهداف منطقة الهرمل بالصواريخ”، ويبدو أن عصر الفراغ لم يترك للرئيس من مُنجد ومنقذ سوى الجيش اللبناني، فطلب الى قيادة الجيش “اعتلام مصدر اطلاق النار ومعالجته بالوسائل المناسبة”.
فلم يكد يمرّ يومان على وضع مقررات المجلس الأعلى للدفاع موضع التنفيذ، حتى اعتدى النظام السوري على لبنان.. ولا عجب من ذلك فالإجتماع الأخير للمجلس ساد عليه التكتم، وكأن المجتمعين برئاسة رئيس الجمهورية يريدون أن تبقى مقرراتهم سرية حتى تنجح، لأن تعميمها سيفشلها. لذا لم يشأ رئيس الجمهورية توضيح الإجراءات التي ستّتخذ على الحدود، خصوصا وأنه لمس بعض النتائج الملموسة لتلك المقررات، قائلا “في وقت يستنفر الداخل اللبناني الامني والقيادي والسياسي لوضع مقررات المجلس الاعلى للدفاع موضع التنفيذ وبدأت الاجراءات تعطي ثمارها، يُفاجأ لبنان بأعمال أمنية كإطلاق الصواريخ في محاولة باتت مكشوفة لتوتير الوضع ونقل الصراع الى الداخل اللبناني”.
في المقابل، وعد الرئيس سليمان بأنه “سيتم التصدي له (للصراع) واتخاذ كل الاجراءات الكفيلة حماية الاستقرار والسلم الاهلي”. ووعده دون شكّ مرتبط بالقرارات التي اتّخذت يوم الجمعة الماضي، وسيكون مرتكزا على مراقبة الحدود، والجيش هو المسؤول عن هذه المهمة وتحديدا فوج الحدود البرية والفوج المشترك لمراقبة الحدود البرية والذي يضمّ عناصر من الجيش والأمن العام والأمن الداخلي والجمارك.
الرئيس سليمان اليوم، برهن أنه الحسيب والرقيب على الشاردة والواردة في بلد تخلّى عنه المنقلبون، لأنهم فاشلون حتى في انقلاباتهم.. وهو يراقب أعماله قبل أعمالهم لأن وعود هذا الرئيس ليست حبرا على ورق.