في ظلّ المحاولات الرامية إلى إجهاض قيام حكومة حيادية إن عبر عدم تمكينها من الحصول على الأكثرية النيابية، أو عبر ابتكار تأويلات دستورية مفادها أنّ توقيع تشكيل الحكومة لا يحوّلها إلى حكومة تصريف أعمال قبل نيلها ثقة المجلس النيابي، ما صحّة هذا التفسير المستجد، وهل يتوافق مع ما ينصّ عليه الدستور؟
بعد أن لمس فريق 8 آذار جدّية توجّه رئيس الجمهورية ميشال سليمان نحو تأليف حكومة حيادية يُرشّح أن تحظى بالحد الأقصى بثقة مجلس النواب في حال حيازتها على الأكثرية النيابية (14 آذار + جبهة النضال الوطني)، وبالحد الأدنى أن تحلّ محل الحكومة الحالية بتولّي مهمّة تصريف الأعمال، يجتهد هذا الفريق على إعطاء تفسير دستوري جديد ينصّ على أنّ توقيع رئيس الجمهورية على مرسوم تشكيل الحكومة الجديدة التي يرفعها إليه الرئيس المكلّف، لا يحوّلها إلى حكومة تصريف أعمال قبل نيلها الثقة، الأمر الذي يبقي الحكومة الميقاتية في وظيفة تصريف الأعمال. وإذ يفترض أنّ المجلس لا يستقبل جلسات غير ميثاقية تستثني طائفة بكاملها باعتبار أنّ حكومة الأمر الواقع تغيّب طائفة أساسية، يؤكد هذا الفريق أنّه من دون نيل الثقة، لن يكون ممكناً لوزراء حكومة الأمر الواقع تسلّم الوزارات من نظرائهم، لافتاً إلى أنّ “العادة التي درجت في زمن الوجود السوري على وضع عربة تسلّم الوزارات قبل أحصنة نيل الثقة، كانت خلال مرحلة عبّر فيها هذا الإجراء عن توافق سياسي. أمّا في الظرف الحالي، فإنّ وزراء حكومة تصريف الأعمال باقون وراء مكاتبهم طالما أنّ الحكومة الجديدة لم تنل الثقة”، ويستطرد ليقول إنه “في حال أصرّ فريق 14 آذار على رئيس الجمهورية تأليف حكومةٍ جديدة، يصبح البلد منقسماً بين حكومتين، ما يُدخل البلاد في أزمة دستورية كبيرة تمهّد للجمهورية الثالثة”. فماذا يقول الخبراء أو المراجع الدستوريون في هذا الإطار؟
يوضح رئيس مجلس شورى الدولة السابق القاضي يوسف سعدالله الخوري لـ “الجمهورية”، أنّ “الدستور واضح جداً في هذا المجال، وهو ينصّ على أنه عندما يوقّع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيل الحكومة الجديدة، تتحوّل تلقائياً إلى حكومة تصريف أعمال بانتظار نيل ثقة المجلس”، لافتاً إلى أنّه “بعد تشكيل الحكومة مباشرةً، تصدر ثلاثة مراسيم: الأول ينصّ على قبول استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، والثاني على تعيين الأستاذ تمام سلام رئيساً لمجلس الوزراء، وهذان المرسومان يتطلّبان توقيع رئيس الجمهورية وحده بحسب المادة 53 من الدستور، أمّا المرسوم الثالث المتصل بتشكيل الحكومة فيتطلّب توقيع رئيسي الجمهورية والحكومة معاً”. ويلفت الخوري إلى أنّه “بعد تشكيل الحكومة، وبانتظار ثقة المجلس، تتم عملية التسلّم والتسليم بين الوزراء. فالاجتهاد الدستوريّ يقتضي بأن تصرّف الحكومة الجديدة الأعمال بشكلٍ يؤمّن حسن سير المرافق العامة، بالحدّ الأدنى من نشاطها، بانتظار نيل ثقة مجلس النواب. وبعدها، تجتمع الحكومة الجديدة في المجلس للاتفاق على البيان الوزاري، الذي تمثّل على أساسه أمام مجلس النواب لنيل الثقة، التي تسمح لها بالقيام بكل الأعمال العادية والتصرّفية وغيرها”. ويؤكد الخوري أنه “إذا لم تنل الحكومة الثقة، تصبح حكومة مستقيلة، ولكنها تستمرّ في تصريف الأعمال تأميناً لاستمرارية المرافئ العامة. وعندها نعود مجدداً إلى مشاورات جديدة، يُكلّف على أساسها رئيسٌ جديد للحكومة كالعادة، بانتظار تشكيل حكومة جديدة”.
وفي هذا السياق، يحسم رئيس مجلس النواب السابق وعرّاب الطائف حسين الحسيني الجدل القائم مؤيّداً كلام الخوري، ويؤكد لـ “الجمهورية” أنّ “رئيس الجمهورية يوقّع مرسوم استقالة الحكومة الحالية بالتزامن مع توقيعه مرسوم تشكيل الحكومة الجديدة، وذلك قبل نيل ثقة المجلس”، إلّا أنه يلفت إلى أنّ “الحكومة الجديدة لا تكون دستورية بكامل صلاحياتها قبل نيلها الثقة. أما في حال عدم نيلها الثقة، فتُعتبر حُكماً حكومة تصريف أعمال، بانتظار تشكيل حكومة جديدة”.
وفي الخلاصة، يبدو أنّ أحد الفرقاء يسعى الى تحويل الدستور إلى وجهة نظر، فيما بنوده لا تحتمل الالتباس والتأويل، وذلك بشهادة أصحاب الاختصاص والمشرّعين غير المنحازين إلى أي من فريقي النزاع، ما يؤشّر إلى أنّ هدف فريق 8 آذار سياسيٌ بامتياز، ولا يمتّ إلى الدستور بصلة، وكل ما يصبو إليه هو دفع سليمان الى التراجع عن خطوته.