#adsense

الجنرال.. نزوع إلى العنصرية على وقع النزوح من سوريا

حجم الخط

 

لم يشهد التاريخ السياسي اللبناني الحديث شخصية مثيرة للجدل وشعبوية مثل الجنرال ميشال عون، فهو منذ أن وجد الرئيس اللبناني السابق الشيخ أمين الجميل نفسه “مجبراً” على تسمية قائد الجيش السابق رئيساً للحكومة المؤقتة في نهاية عهده في العام 1988، لم يوفر جنرال “الحروب الخاسرة” مناسبة إلا وصب فيها جام غضبه المتمكّن في نفسه دائماً وأبداً على حلفائه تارة، وأخصامه طوراً، وعلى اللبنانيين عموماً أطواراً وأطواراً.

والأغرب من ذلك، أن الجنرال الحالم بكرسي بعبدا منذ نعومة أظفاره، يحاول بعد كل مرة ينزلق فيها لسانه في المكان الخطأ أن يصحح ويستدرك ما ارتكبه، فيأتي تبريره ليزيد السوء سوءاً، لكن ذاكرة اللبنانيين حيّة جداً، ولعلها أكثر ما يميّزهم، فهم لا ينسوا ولن ينسوا الويلات والمصائب التي أوقعهم فيها الجنرال منذ أن حلم يوماً بأن يكون “عريفاً” في جندي الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، وحقق حلمه في اليقظة بعد عودته من المنفى في العام 2005.

مناسبة الحديث هي “العنصرية” التي تميّزت بها مواقف عون من النازحين السوريين إلى لبنان الذين فرّوا من بلادهم هرباً من بطش الأسد الابن، والذين بدأت طلائعهم بالتوافد إلى لبنان في عز سطوة عون على حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وتحكّمه بقراراتها، وبالتالي عرقلة جميع الحلول والمخارج التي نوقشت في جلسات الحكومة لاحتواء الأزمة الانسانية ومن بينها اقتراح وزير الشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور إقامة مخيمات للنازحين السوريين، تسهيلاً لعمليات الإغاثة التي تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الانسانية غير الحكومية المحلية والدولية ورفضها بالمطلق من قبل وزراء عون تحديداً، علماً أن اقتراح أبو فاعور لم يأت من عدم، فهو تقدّم به بعد مناقشته مع رئيسي الجمهورية والحكومة وبعد مناقشتها مع كبار المسؤولين الدوليين في شؤون اللاجئين، وبعدما أثبتت هذه الخطوة جدواها في تركيا والاردن.

لقد تقدّم صهر عون الوزير جبران باسيل باسم تكتّل “عمّه” اقتراحاً يتضمن “وقف استقبال النازحين السوريين والفلسطينيين القادمين من سوريا، وضبط الحدود على نحو كامل باستثناء الحالات الطارئة التي تتطلب قراراً معللاً من وزيرَي الصحة والداخلية، فضلا عن التنسيق مع الدولة السورية لإعادة النازحين الى ديارهم، ولا سيما في المناطق الآمنة في سوريا، مع إعطاء الضمانات السياسية عند اللزوم”.

واعتبر باسيل أن “أزمة النازحين السوريين والفلسطينيين إلى لبنان أصبحت وجودية كيانية تتربع على رأس الهواجس والأفكار الكيانية التي يعانيها لبنان، وهي أزمة يشعر بها أو بأخطارها كل مواطن، ويكفي للدلالة القول إن شعباً آخر يزيد على ربع سكان لبنان أصبح ينتشر بسرعة على كامل أراضيه، وهو ما لا قدرة للبنان على احتماله”.

ولأن هذا الاقتراح يعدّ مخالفة صريحة لالتزامات لبنان الدولية، لا سيما الاتفاقيات المتعلقة بحماية حقوق الانسان ومناهضة التعذيب، كما ان العديد من بنوده غير قابلة للتطبيق من الناحية العملية، بل بعضها يفترض ادواراً للدولة اللبنانية لا تقوى على أدائها كإعطاء “ضمانات سياسية” لتأمين أمن النازحين العائدين الى سوريا، فإن عضو جبهة “النضال الوطني” النائب أكرم شهيب اعتبره اقتراحاً “عنصريا” وكذلك فعل مفوض الاعلام في الحزب “التقدمي الاشتراكي” رامي الريّس، وكثيرون آخرون ممن يقيمون لحياة الانسان معنى، ويأبون تعريض أي شخص للخطر والموت، إذ أن إعادة من هرب من بطش النظام الطاغية في دمشق إلى بلاده لكي يتعرّض للذبح أو التعذيب والتنكيل بالحد الأدنى، جريمة موصوفة من حيث تسليم الضحية إلى الجلاّد.

أما من حيث إقفال الحدود أمام النازحين من ويلات الحرب السورية، فهل هذه هي من شيم اللبنانيين، الذين تربّوا وعاشوا على مبادئ وقيم كانت تقول حتى بحماية القاتل في منزل القتيل إذا لجأ إليه؟ كيف يمكن تفسير مثل هذا المطلب على الصعيد الانساني والاخلاقي؟ اللهم إلا إذا كان الجنرال نسي أن سوريا شرّعت ابوابها وفتحت حدودها أمام قوافل اللبنانيين الذين فروا إليها أسراباً وفرادى خلال محنهم الكثيرة التي تسبّب بها عون نفسه أثناء حربه التحريرية وكذلك الالغائية، وأثناء الحروب التي خبروها نتيجة الاعتداءات الاسرائيلية الكثيرة على لبنان، فهل تكون المعاملة بالمثل إساءة؟

السوريون الذين قدموا إلى لبنان، أكانوا موالين أم معارضين للنظام، إنما فرّوا لينجوا بحياتهم، مقتدرين كانوا أم محتاجين، ومن استأجر منهم منازل أو افترش قاعات المساجد وملاعب المدارس الرسمية أو من أقاموا لأنفسهم مخيمات مؤقتة، واجب على اللبنانيين مساعدتهم والوقوف إلى جانبهم وعدم اعتبارهم “سلعة” سياسية يجب المتاجرة بها وباسمها، وهذا ما يفعله عون وصهره ونوابه، والتذرّع بأنهم سيكونون أو أنهم أصبحوا سبباً في تفلّت الوضع الأمني، فحليف عون الموقوف ميشال سماحة لا يزال قابعاً في السجن بانتظار صدور الحكم بحقه بالتحضير لتفجير أمني كاد أن يودي بلبنان إلى قعر الهاوية الفتنوية المذهبية.

والمضحك المبكي هو أن يتهم عون النائب شهيب والزميل الريّس بـ “الاقطاعية”، وأن يستغل منبر الرابية ليرد على الاتهام السياسي الذي وجّهاه إليه والمتعلّق بقضية محددة وهي قضية النازحين السوريين، فيحاول فتح أوراق دفاتره العتيقة وينبش القبور ليغمز من قناة النائب وليد جنبلاط، فحبّذا لو لم يفعل، لأن ما يمكن قوله عن “إقطاعية” عون وباسيل، أسهل بكثير من اتهام القياديين الاشتراكيين بها، ولعلّ “من أين لك هذا” سؤال يبرئ شهيب والريّس، لكنه يدين عون وباسيل بكل وضوح.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل