لا يمكن لأي شعب او مجتمع ان ينجحا في التصدّي للارهاب ومقاومته، الاّ بتعاون جميع المكوّنات واقتناعها، بجدوى خطوات المواجهة، وحسن سير التدابير التي تحدّ من خطر تحرّك الارهابيين من جهة، وتحافظ من جهة ثانية على انتظام الحياة العامة واحترام حقوق المواطن وحريته، وترك عجلة العمل والتنقّل تدور بأقل قدر من العرقلة او التوقف، والاهم من كل ذلك ان تكون الدولة بقواها الذاتية واجهزتها الأمنية هي صاحبة الرعاية والكلمة التي يقبل بها الجميع ويتجاوب معها.
هذه الحالة الطبيعية كان يفترض ان تقوم بها الدولة واجهزته، بعد تفجير الرويس الارهابي وبعد احداث عبرا، وبعد التحذيرات المتعددة التي ابلغت الى المسؤولين اللبنانيين عن امكان تمدد الارهاب الى لبنان، عبر الحدود السائبة بالاتجاهين، والتنبيه الى ضرورةعدم الانغماس في النزاعات المسلحة او الخلافات السياسية بين الدول، وخصوصاً العربية والاقليمية منها، والالتزام باعلان بعبدا، ولكن على ما ظهر في اليومين الماضيين، كان الامن الذاتي الشيعي سبّاقاً الى الحلول محل الدولة في الضاحية الجنوبية ومحيطها، وفي مناطق الجنوب والبقاع الشمالي، وكمثل اي امن لا ينفّذ على أيدي الشرعية، لما يخلق من حساسيات طائفية ومذهبية وسياسية، كانت ردود فعل المواطنين على هذا الامن الذاتي، غير ايجابية وغير مرحبة بنسبة ليست بالقليلة، خصوصاً لدى الذين حوصروا لساعات في سياراتهم وتعطلوا عن اعمالهم وتدبير امورهم على اختلاف انواعها، واذا كان اللبناني في شكل عام يتضايق حتى من تدابير تتخذها الدولة وتنفذها، فكيف الحال اذن مع قوى غير شرعية، تقوم باعمال الشرعية وهي على خصومة وعداء مع فريق كبير جداً من المواطنين، ولم تنجح حتى الآن جميع المحاولات والمبادرات التي اطلقت من الرئيس العماد ميشال سليمان، ومن قوى فاعلة في 14 اذار، للتوصل الى حلول ولو موقتة ترضي جميع الاطراف، وتضع حداً للتوتر القائم، بل على العكس من هذا، يلاحظ منذ مدة تنظيم حملة عدائية ضد سعد الحريري وتيار المستقبل، والدكتور سمير جعجع وحزب القوات، ووليد جنبلاط والحزب التقدمي، اعلامياً بنشر اخبار كاذبة ومسيئة، وسياسياً بتوزيع اتهامات العمالة والتخوين، والاخطر من هذا التشكيك بقوى الامن الداخلي، وخصوصاً فرع المعلومات الذي يقف وراء كشف شبكات الارهاب، وعدم تحصين الجيش بالدعم السياسي الكامل ليقوم بواجباته كاملة، على ما اعلن الرئيس المكلف تمام سلام نقلا عن قائد الجيش العماد جان قهوجي، ولم يتوقف الامر عند هذا الحد، بل تعرّض رئيس البلاد ورمز وحدتها وسيادتها واستقلالها الى اساءات من سياسيين واعلاميين مقرّبين من حزب الله، يعاقب عليها القانون، والسؤال، هل بهذه الطريقة وهذا الاسلوب وهذا التوجّه، تصان الوحدة الوطنية، ويلتم الشمل لمحاربة الارهاب الديني والسياسي، وهل باغلاق مجلس النواب، جلسة بعد اخرى، تدرس المشاريع وتقرّ. وتشكّل الحكومة، ويتم التوافق على قانون جديد للانتخابات، وتمهد الطريق امام انتخابات نيابية وانتخابات رئاسية، ام ان المكابرة والتصلّب بالرأي وبتفسير الدستور هي اسباب ظاهرة لنيّة مستترة بتعطيل الدولة ومؤسساتها تعطيلا كاملاً.
*****
هناك اعلاميون وطنيون محترمون مصنفون بانهم اصدقاء للمقاومة ولحزب الله، لم يخفوا عدم رضاهم عن مواقف اخذت مؤخراً، ومنذ مدة، ولا تصب في مصلحة الحزب والمقاومة ولبنان، وتمنوا علنية، لو يعاد النظر فيها، بحيث يؤدي الى تبريد الداخل وتقوية الدولة، وهذا في مصلحة الجميع، وفي شكل خاص حزب الله.
كل عاقل في لبنان، يعرف جيداً، انه لا يمكن لاي طائفة او مذهب او حزب او شخص ان يتمكن وحيداً من انقاذ نفسه او انقاذ وطنه، انها عملية فاشلة في نهاية الامر، ان لم تقم على سواعد الجميع، ومشتبه من يفكر انه قادر على كل شيء عن شريكه في الوطن، وبعيداً من خيمة الدولة.