#adsense

عندما يتحوّل مصطلح “الدولة العميقة” التركي الى نقيضه في مصر

حجم الخط

 

الإحالات الاعتباطية الى “النماذج” التاريخية السابقة هي أقصر الطرق لحذف أي مسافة نقدية عند مقاربة الوقائع السياسية الراهنة، بحيث تُساء العناية بالحاضر والماضي على حدّ سواء. والماضي، عندما يقعُ في أسر الحاضر فهو “مسكين”، دائماً غبّ الطلب، يزوّد العقل التبريري، الدعائي، “الإعلاميّ” – واللفظ الأخير مبهم – ما يبتغيه من صور. لأجل ذلك أيضاً، الماضي خبيث.

فقبل عام من تاريخه، كان يلزم الغرف من صور الماضي للقول بأنه لولا بطش جمال عبد الناصر والعسكر لتطوّرت الحركة الإسلاميّة بشكل صحيح، ولتداولت على السلطة مع التيّارات الأخرى، لما فيه المنفعة المتبادلة والإعمارُ في الأرض. أمّا اليوم، فصارَ على الماضي أن يقول لنا بأنّ جمال عبد الناصر كان وقتذاك يُحارب “الفاشية الدينية” – وهذا طريف، لأنه في حمأة حرب السويس كان ناصر نفسه يُلقّب في إعلام الدول المعتدية على أنه “موسوليني وادي النيل”.

لكن ما يغيب، بشكل يدعو للحسرة، ومع استسهال هذا الإسقاط الاعتباطي للماضي على الحاضر، أو للحاضر على الماضي، هو تحديداً هذا التداخل بين البعدين، الداخلي والإقليميّ للمواجهة كما كانت قائمة في خمسينات وستينات القرن الماضي، من جهة، وبين سياق مختلف كليّاً للمواجهة اليوم، من جهة أخرى.

السياق الإقليميّ للمواجهة بين ناصر والإخوان كان يدخل في سياق حرب عربية باردة بين خيارات ايديولوجية مختلفة، علماً أنها ترجمت نفسها كحرب ساخنة واستنزافية بامتياز في اليمن. اليوم، بالحدّ الأدنى، يختلط الحابل بالنابل، والدنيا في هرج ومرج. أشباح الماضي لا تكاد تظهر على صورة ما حتى تكشف وجهاً آخر عند أول منعطف. الشيء الواضح الوحيد هو أن استقطابات بين محورين نظاميين “قوميّ – تقدّمي” و”رجعيّ”، أو بين محورين “ممانع” و”معتدل”، صارت وراءنا، والتوتّرات الحالية، على فاتورتها الميدانية المكلفة لم تستقرّ على شكل “تسويقيّ” جديد لها بعد، ولا داعي للاستعجال.

لكن ما هو حريّ باستنفار الحساسيّة النقدية بشكل عاجل اليوم، هو هذا الكمّ الهائل من استخدام المصطلحات السياسية كما لو كانت نعوتاً للهجاء أو للمديح كيفما أتّفق، وخصوصاً بقصد أبْلَسَة المخالف لنا. فالعجيب مثلاً أنه، في لغة لم تنقل اليها بعدُ أيّ من الإسهامات المعرفية الأساسية في تعريف الفاشية، من رنزو دي فيليتشه وجورج موسيه الى زئيف شترنهيل وارنست نولته وايميليو جنتيله، يجري تبادل التراشق بالمصطلح على أوسع نطاق اليوم، بين من يحارب “الفاشية الدينية” وبين من يواجه أخرى “عسكرية”، علماً أنّ هذا التعميم الاعتباطي للمصطلح لدواعٍ دعائية تحريضية إنما يجدُ أصوله في تقليدين. التقليد الستالينيّ الذي كان يعرّف الفاشية بوصفها “الديكتاتورية الإرهابية المفتوحة للبرجوازية” (تعريف البلغاري جيورجي ديمتروف) مما سمح له في بداية الثلاثينات من القرن الماضي بوصف الاشتراكيين – الديموقراطيين الألمان بأنهم فاشيّون، معادلاً بينهم وبين النازيين، لما فيه مصلحة انتصار النازية. ثم هناك التقليد الاستعماريّ الذي استسهل استخدام المصطلح لوصف حركات تحرّرية عديدة في المستعمرات وأشباهها (مصدّق، عبد الناصر، الثورة الجزائرية) قبل أن يُستعاض عنه بلوائح الإرهاب. في الاستخدامات الراهنة لمصطلح الفاشية ثمّة خلطة عجيبة من هذين التقليدين، وللإمعان في التخليط يُضاف مصطلح “الإرهاب”.

ومن عجائب الدهر كذلك، كيف انتقل مصطلح “الدولة العميقة” من إطار تداوله في بلد المنشأ (تركيا) الى مصر. في تركيا، “الدولة العميقة” (ديرين دولت)، مصطلح يُرادُ به “دولة داخل الدولة”، مستقلّة عن النظام الدستوريّ أو متربّصة له، وتتنازع السلطة الفعلية معه على أي حال. بالنسبة الى “حزب العدالة والتنمية” فإن الصراع الأساسي الذي يخوضه هو مع هذه الدولة العميقة، فالمأثور عن رجب طيب أردوغان أن “كل دولة تتخفى فيها دولة عميقة، والأخيرة في الجسم كالفيروس. يظهر عندما تكون الظروف سانحة له”.

واذا كان الغربيون قد استخدموا لاحقاً المصطلح للإيحاء بما هو “تركي” في مؤسساتهم وأجهزتهم، فالعجيب كيف انتقل هذا المصطلح الى مصر ليتحول الى نقيضه، وليصير استخدامه مطعّماً بإيحاءات الوصال والفناء “الصوفيين” بين الثورة الشعبية وبين الدولة العميقة. كما لو أن المراد بالأخيرة “دولة قانون سرّية حارسة”، عمرها من أيّام الفراعنة، وتلك أسطورة أخرى، لأن الكيانية المصرية حديثة هي الأخرى ولا يمكن الذهاب في تعيّن جذورها لأبعد من النصف الثاني للقرن الثامن عشر وفترة المملوكي علي بك الكبير.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل