كتب وسام سعادة في صحيفة “المستقبل”:
هل من رادع، أساساً، يحول دون استخدام النظام السوري، للغازات السامّة؟
ما جرى في العامين والنصف الماضيين سار عموماً باتجاه تذييل هذه الموانع التي كان يضعها النظام نصب عينيه، وهو يتحسّس إكسير حياته: احتياط غاز السارين.
فبشكل عام، لم تعد هناك قوّة في العالم بمستطاعها إقناع هذا النظام بأنّ تدخلاً عسكرياً دولياً “إنسانياًً” يمكن أن يُبحث بشكل جدّي. فالدعم الروسي لم يكن حتى النظام يتوقّعه بهذا الحد، كما أن حرب النظام على السوريين الثائرين عليه شكّل هدية ثمينة لم تكن في الحسبان لموسكو كي تستذكر موطئ قدم شرق المتوسط ورثته صورياً عن زمن الحرب الباردة، وقد سبق لها أن أهملته مطولاً وهو أهملها كذلك، إلى أن كانت الحرب الأهلية السورية مناسبة لإظهار “عودة روسيا”، مستفيدة من الانكفاء الأميركي في المنطقة بعد الانسحاب من العراق، ومستبقة لتداعيات انسحاب أميركي من أفغانستان من شأنه خلق تحديات إضافية للنفوذ الروسي في آسيا الوسطى.
وإذا كان هناك من رادع روسي يجعل بشار الأسد يتردّد في استخدام هذه الوسيلة التنكيلية أو تلك في بدايات القتال، فإن هذا الرادع زال بعد أن صار الصراع على سوريا يستعيد بعضاً من المؤثرات المخادعة للحرب الباردة، وبعد أن ارتفع منسوب الجماعات المتشدّدة دينياً في صفوف المسلحين، بما يعطي مجالاً لتسويق الدعاية التي أعدها النظام السوري من اليوم الأول، على أنه صراع بين نظام يبحث ولو بصعوبة عن إصلاح نفسه، وبين حركات مسلّحة تحرّكها الدوائر الإقليمية المتزاحمة.
صحيح أن باراك أوباما حذّر منذ الصيف الماضي بشار الأسد من مغبة اللجوء إلى الأسلحة الكيماوية، لكنّ الأسد فهم ذلك على أنه كشف لمحدودية الدور الأميركي، وأنه في الحد الأقصى يمكن أن يناله قصف أميركي أو إسرائيلي للمنشآت، أو لعملية نقل بعض الأسلحة والمستودعات الى “حزب الله”، لكنه لا يخشى تدخلاً حقيقياً لإنهاء نظامه.
وزاد فوق ذلك، أن النظام السوري سعى في الآونة الأخيرة إلى تصوير نفسه على أنه جزء من القوى المدنية العسكرية المشتركة في العالم العربي التي تواجه “الإخوان المسلمين”، وأنه يتمتع بذلك بورقتين لا واحدة. ورقة أنه نظام أقلية محورية وحامي الأقليات الخاضعة له، ومشترك مع إيران في منظومة تحالفية إقليمية، وورقة أن له مدًى عربياً حيث إنه الأعرق في محاربة “الإخوان المسلمين”.
كل هذا سيجعل الموانع الحائلة دون استخدام غاز السارين بلا طائل، كما أنّ الهجمات بالغازات السامة يمكن أن تتخذ إيقاعاً تجريبياً. استخدامها في موقعة معينة ثم الانتظار لرؤية النتائج الميدانية والتداعيات الإقليمية ولاستثمار ما يمكن استثماره والاحتراز مما ينبغي الاحتراز منه، ثم معاودة الهجمات.
لكن تذييل العقبات الأخلاقية والنفسية والسياسية شيء، والإقدام على الخطوة شيء آخر. هنا أيضاً، التقارير الصحافية الميدانية لا سيما الفرنسية تتحدث عن نمط من الاستخدام التجريبي الموضعي للغازات تزايد في الأشهر الماضية، إلا أن النظام يستفيد بطبيعة الحال من تعطل إمكانات التحقق الدولي الاحترافي، كما أنه يستفيد من الوجه البشع الذي أظهرته المجموعات المنسوبة إلى “تنظيم القاعدة” ليدفن رأس… نعامته… في الرمل.
لكن، ومع انتظار المزيد من التفاصيل حول الهجمات المريعة التي تعرّضت لها منطقة الغوطة، يبقى أنّ الدافع إلى استخدام الغازات في الآونة الأخيرة مزدوج:
فمن جهة، ثمة خيبة من كون معركة القصير لم تولّد مفاعيل اللحظة التأسيسية لاستعادة المناطق تدريجياً. و”عاصفة الشمال” تحوّلت بشكل سريع إلى عاصفة في فنجان. وإذا كانت الهجمات في منطقة اللاذقية لم تكن لتهدّد وجودياً شبكة النظام البعثي الفئوي هناك إلا أنها خلقت بالفعل رعباً وأسئلة وجودية إضافية لدى الفئة التي يعتمدها النظام كعصبية أهلية مركزية بالنسبة إليه.
ومن جهة ثانية، فإنّ حماسة عارمة تحكمت في قاعدة جهاز هذا النظام، لاستخدام ما هو “فتاك” في مواجهة الثوار، وهي حماسة زادها تلبّساً طابع المواجهة الإقليمية الشاملة بين التقدميين وبين الإسلاميين، فعندها، “آن للكيماوي أن يستشيط” كما دعت إلى ذلك إحداهن، في واحدة من نهفات حثّ الطاغية على المزيد من الجرائم، كما لو أنه كان متردّداً، ويحتاج إلى مَن ينوّره.