23 آب 1982 – 23 آب 2013 بشير الجميّل: الأمر للجمهورية

23 آب 1982 – 23 آب 2013 بشير الجميّل: الأمر للجمهورية

 

بعد 31 سنة، استقر بشير الجميّل وسط العاصمة، بعدما استقر منذ أكثر من 31 سنة في قلوب اللبنانيين وذاكرتهم.
اذ لم يعد اللبنانيون ينتظرون تسمية شارع أو جادة باسم بشير الجميّل لكي يتذكروا الحلم الذي أرادوه حقيقة في ذاكرتهم ويومياتهم، خصوصا أن صوته يصدح يومياً منذ واحد وثلاثين سنة في كل شوارع لبنان وجاداته.

استقر أخيراً شارع بشير الجميّل وسط العاصمة، قرب ساحة الشهداء، لكن الجمهورية التي عمل من أجلها لم تستقر بعد. أرادها جمهورية أفلاطون، فأضحت ويا للاسف بعد غيابه جمهورية “زحفطون”.

سيرتاح بشير الى الاختيار الاخير بعد طول انتظار، لما كانت ساحة البرج ومتفرعاتها تمثل بالنسبة اليه ذكريات تاريخية. هنا علّق العثمانيون شهداء الوطن ابان الحرب العالمية الاولى على أعواد المشانق. وهنا سالت دماء والده الشيخ بيار الجميّل لأول مرة عام 1936 على يد الجنود السنغاليين ابان الاحتفال الاول بذكرى تأسيس الكتائب. هنا أيضاً يرقد رفيق الحريري شهيداً صبغ بدمائه الاستقلال الثاني في 14 شباط 2005. وعلى بعد أمتار قليلة تطل مكاتب صديقه الشهيد جبران تويني صاحب القلم والقَسَم، وعلى مقربةٍ من الشارع، ساحة شهيد آخر من شهداء القلم والحرّية سمير قصير.

كوكبة من الشهداء قالت لا للمحتل، فدفعت ثمن تلك اللا عذاباً ودماً.
وستفوح من جديد من تلك الجادة نفحة الحريّة التي لطالما عمل بشير واستشهد من أجلها.

قال يوماً: “نريد رئيساً وقف ولو مرة على قبر شهيد”، وها الحلم يتحقق، ليقف هو من عليائه على مشارف ساحة الشهداء.
لم يُكتب لبشير أن يُلقي خطاب القسم في مقر مجلس النواب، بعد أن أصرّ على الرئيس كامل الاسعد، رئيس مجلس النواب آنذاك، أن يفتح المجلس أبوابه لأول مرة منذ اندلاع أحداث 1975 وانتقال المجلس ودوائره الى قصر منصور قرب المتحف.

خطاب القسَم كان جاهزاً، اذ وضع فيه أسس قيادته للدولة الخارجة من آتون الحرب، مرّكزاً على دور الشرعية في ادارة شؤون الناس والجمهورية:”… والشرعية حضور في الشعب، لا وجود في الدولة. الوجود فعل، الحضور تفاعل. الوجود هيئة، الحضور هيبة. الوجود جدلي، الحضور دينامكي.

والشرعية تنمو بمقدار ما تقوم بدورها، وهي تخبو بمقدار ما تتنازل عن هذا الدور، وتؤدي الشرعية دورها حين تستخدم وسائلها وأجهزتها من دون استثناء ولا استئذان من أجل توفير الأمن والحرية لشعبها من دون تمييز. اذ ما الفائدة من وجود الدساتير والأنظمة والجيوش والادارات اذا لم يتمكن الحاكم من الاستعانة بها، لانقاذ المجتمع والأمة. واني بها لمستعين”.

ويضيف الرئيس المنتخب في خطاب القسَم:
“حين الأمة تعتلي الدولة، تعود الكرامة الوطنية الى نصابها، لا خوف ولا قلق، لا غُبن وحرمان، لا وصاية وانتداب، لا تبعية واحتلال، لا ضغط واكراه.
وتنتهي مرحلة الاستضعاف.

لا تدّخل في شؤون لبنان الداخلية، لا تسلل عبر الحدود، لا خرق للأجواء والمياه الاقليمية، لا اتفاقات تحت وطأة السلاح، لا تعهدات في ظل الاحتلال، لا غريب يخرج على القانون، لا طارئ يستوطن البلاد، لا ديبلوماسي هنا يتعامل مع غير حكومة لبنان، لا دبلوماسي لبنانياً هناك ينفذ سياسة غير لبنانية. لا فروع لأحزاب مستوردة، لا حرب عصابات بين أجهزة المخابرات، ولا أمن مستعارا.

ان كل القوات الغريبة الموجودة داخل الأراضي اللبنانية مدعوة الى الانسحاب ليتولى الجيش اللبناني بمعاونة أجهزة الأمن اللبنانية بسط سلطة الدولة وتوفير الأمن على طول حدود الوطن، بحيث تكون حدودنا مصدر طمأنينة وسياج سلام لجيراننا ومظهر سيادة لاستقلالنا. حان الأوان لتنقية وجودنا وممارسة حق تقرير المصير”.

ولم ينسَ أن يوّجه الرئيس الشاب رسالة واضحة الى الدول العربية على كيفية تعامل لبنان مع بعض الانظمة التي انغمست في حرب لبنان، فكتب: “ومثلما نعرف العرب الذين ساهموا مع الأعداء في الحرب، واننا غافرون لهم، نعرف العرب الذين ساهموا مع الأصدقاء في حل أزمتنا، واننا ممتنون لهم. ولكن لا يعقل أن نساوي في علاقاتنا الخارجية بين الذين اشتركوا في الحرب علينا، والذين أسهموا في انقاذنا. بين الذين يدعمون الاحتلالات والذين يخرجونها. سنختار أصدقاءنا وحلفاءنا، نعامِل كما نعامَل، ولن تتحكم في علاقاتنا الخارجية أي عقدة، وان مكاننا الطبيعي هو في العالم الحر، ومعه سنكون شركاءه في العالم عوض أن نكون ضحاياه في المنطقة”.

وينهي بشير كلمته بتوجيه تحية الى جميع شهداء لبنان، أينما كانوا، الذين سقطوا في كل المناطق اللبنانية، قائلاً: “هذه هي اللحظة التاريخية لبناء دولة الأمة، التي طالما حلمنا بها وهيأنا لها الطريق بالعزم والدم، بالتضحيات والشهداء. انها لحظة تحمل في ذراتها روح كل شهيد مات في لحظة ما من أجل هذه اللحظة. وسأكون أميناً لكل شهداء لبنان لأنهم كلهم ماتوا من أجل لبنان، ولأن من لا يكون أميناً لمن ذهب، لن يكون أميناً لمن بقي”.
هكذا حلم بشير بالجمهورية اللبنانية.
الأمر للجمهورية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل