-
تسلّم الجيش وقوى الامن زمام المبادرة في جمهورية مصر العربية ساهم بالتأكيد في سقوط ضحايا، خصوصا ان بداية الجهود لتفريق المعتصمين باستعمال قنابل الغاز المسيل للدموع جبهت باطلاق نار من المعتصمين والمتظاهرين من مناصري الرئيس محمد مرسي، الامر الذي أوجب استعمال القوة النارية ضدهم.
وكانت النتيجة، على فداحة الخسائر البشرية من الطرفين، استعادة السلطات المصرية السيطرة على الوضع وبدء اعادة الحياة الى طبيعتها واستعادة مصر القدرة على الانتاج، ومع انقضاء الوقت القدرة على استقطاب الاستثمارات وتنشيط حركة السياحة التي كانت دوماً من ركائز نجاح الاقتصاد المصري.
بعيداً من مصر، وعلى مساحة الشرق الاوسط، تسبب ضبط الاوضاع في مصر بابعاد شبح الحروب المذهبية، فنجاح “الاخوان” في مصر في السيطرة على السلطة كان سيؤدي الى نجاحهم في الاردن وربما في سوريا، والنتيجة لو تحققت لتسببت بمواجهة سنية – شيعية على مدى بلدان الشرق الاوسط، وتوقع كهذا يخشاه كل انسان يأمل في مستقبل واعد لاولاده واقاربه في منطقتنا.
في المقابل، ردود الفعل الغربية بصورة خاصة كانت روتينية وتمحورت على ما سمي ديموقراطية الانتخابات التي رفعت “الاخوان” الى تولي مسؤوليات ادارة الدولة. هؤلاء أساؤوا الى مفاهيم الديموقراطية حينما ابعدوا اي طرف آخر عن المسؤولية وحينما استصدر مرسي شرعة لصلاحيات رئيس الجمهورية بصورة غير دستورية تعطيه صلاحيات مطلقة. فالديموقراطية التي ينوح الغرب على فقدانها، نحرها “الاخوان” في أقل من سنة.
والتطورات التي نشهدها توحي باستعادة السلطات دورها الشرعي في مصر وامكان استعادة قدرتها على تحسين مستويات المعيشة وفرص العمل، وفي الوقت ذاته نسمع ان الكونغرس الاميركي يسعى الى تعليق المعونة السنوية التي تقررت لمصر على مستوى 1,5 مليار دولار سنوياً بعد حرب 1973 والتوصل الى اتفاقات لفصل القوات بين مصر واسرائيل، كما بين سوريا واسرائيل، وثمة صدى للتفكيري الاميركي على مستوى دول الاتحاد الاوروبي. ولنفترض ان تعليق المعونة سيحصل ولو لفترة، فستكون ثمة نتائج بالنسبة الى مصر، كما سيصيب لبنان بعض الرذاذ.
لقد بادرت دول الخليج النفطية العربية، في ما عدا العراق، الى دعم مصر بالاموال، وبلغت الالتزامات مستوى 17 مليار دولار، اضافة الى تسليم شحنات من الغاز السائل من قطر للمساهمة في تأمين انتاج التيار الكهربائي. وهذه الالتزامات تتجاوز المعونة الاميركية عشرة اضعاف كما تمكن مصر من كفاية حاجاتها من الغذاء وتغطية تكاليف المستوردات لفترة يقدر ان تستقر فيها الامور وتستعيد خلالها السلطات المصرية القدرة على تحريك الاقتصاد قدما، خصوصاً ان رئيس الوزراء المصري ووزير المال من كبار اصحاب الاختصاص في شؤون الاقتصاد والمال.
ان تفادي خطر الانزلاق الى مواجهات مذهبية على مستوى المنطقة، لا بد ان يؤدي الى التزامات طويلة الامد لجمهورية مصر العربية، ومع استقرار الاوضاع سيكون هناك توجه الى تشجيع الاستثمار في مصر.
في المقابل، لا يمكن لبنان ان ينال مساعدات عربية سخية في المستقبل المنظور، ولن تلغي الدول الخليجية تعليماتها لمواطنيها بالامتناع عن زيارة لبنان ما دامت الاوضاع في سوريا على تدهور والحرب الداخلية مستمرة، وتالياً فان تدفق الاستثمارات الخارجية على لبنان، والذي تدنى مستواه عام 2012 بنسبة 60 في المئة، لا بد ان يستمر.
وقد بات معلوماً ان ثمة استثمارات مصرية وخليجية في قطاع المصارف والتوظيفات العقارية يسعى أصحابها الى تصفيتها في لبنان وتحويل عائدات بيعها، لذا فان الازمة الاقتصادية في لبنان ستتعمق وقد نشهد ولو بعد انقضاء بضعة أشهر مؤشرات لتفاقم أزمة مالية.
ويذكر ان معدلات النمو في لبنان انحسرت من معدل 8,5 في المئة للسنوات 2007 – 2010 الى مستوى 2 في المئة عام 2012 وتشير التقديرات الى معدل نمو لا يزيد عن 1,5 في المئة هذه السنة، مع تناقص اعداد الزوار بنسبة 19 في المئة وكذلك المداخيل السياحية بنسبة أكبر لان اسعار غرف الفنادق تدنت، استنادا الى الاحصاءات المتوافرة، بنسبة 20 – 22 في المئة، كما انحسر النشاط العقاري بنسبة تتجاوز الـ10 في المئة وهذا النشاط كان دوماً من عناصر نجاح الاقتصاد اللبناني ونموه.
ثمة تقرير عن تقديرات النمو في لبنان عام 2014 وضعه مصرف HSBC يفيد عن امكان تدني معدل النمو في لبنان الى 1 في المئة أو أقل عام 2014، وتالياً وقياساً بمعدلات الولادة في لبنان التي تتجاوز 2 في المئة سنويا، سوف يتدنى معدل دخل اللبنانيين. ثمة مؤشرات احصائية لانحسار حجم النفقات الاستهلاكية بين 2011 و2013، وهذه في كل اقتصاد تشكل الشريحة الاهم في حجم الدخل القومي. ويزيد حراجة هذا الرقم ان معدل النمو لبلدان الشرق الاوسط وشمال افريقيا مقدر على مستوى 4,5 في المئة. وكان معدل النمو في لبنان أرفع مما هو في المنطقة المشار اليها حتى عام 2010.
إن التطورات الاقليمية تفرض على الطاقم السياسي في لبنان اعادة نظر جذرية في معالجته للشؤون الاقتصادية والاجتماعية. فلا بد من تأمين هيكلية اقرار عقود التنقيب عن النفط والغاز. ويستحسن أيضا استدراجاً للاستثمارات وتحسين حسابات ميزان المدفوعات دفع مشاريع تطوير المصافي من أجل تحقيق وفر على صعيد مستوردات المشتقات النفطية. وكنا اشرنا سابقاً الى إلحاح موضوع بدء تنفيذ خط لنقل الغاز من الشمال الى الجنوب، ولا شك في ان مباشرة تنفيذ هذه المشاريع تحسن مستوى ارتفاع الدخل القومي ما بين 2 و3 في المئة سنة 2014، وهذه النتيجة بالغة الاهمية اذا كان للبنانيين ان يستعيدوا التفاؤل نفسه بالمستقبل، وهم اليوم يعيشون هموم تحصيل معيشتهم وتحقيق مقدار من السلم الاهلي يطمئنهم.
