
رغم ملامح ارتياح نسبي بدأ يشقّ طريقه بحذر شديد حيال المعالجات الأمنية الجارية لمواجهة خطر التفجيرات في لبنان، لا تزال الصورة العامة التي تحكم مجمل الوضع الداخلي متأثرة بقوة بهاجس التداعيات التي تَسبب فيها تفجير الرويس في الضاحية الجنوبية قبل اسبوع.
ولعل أبلغ انعكاسٍ لطغيان الهاجس الأمني وتغييب كل المسارات السياسية المتعلقة بالأزمة الحكومية تَمثل في عودة الحديث عن تفعيل حكومة تصريف الاعمال في وقت قريب، الأمر الذي ينذر بمزيد من التعقيدات السياسية في حال اقترن هذا التلويح بإجراءات عملية من نوع دعوة مجلس الوزراء الى الانعقاد للنظر في ملفات معيّنة على ما جرى التلميح اليه من أوساط قريبة من رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي في الساعات الاخيرة.
ذلك ان اوساطاً قريبة من قوى “14 اذار” نظرت الى هذه التلميحات بعين الريبة القصوى بما يُتوقع معه ان يبدأ صدور مواقف سلبية من هذا التوجه سواء كان توجهاً جدياً او على سبيل رمي “بالون اختبار” لكشف إمكانات المضي فيه او تَجنُّبه.
ورأت هذه الأوساط ان هذا “التلميح يعني بمفعوله العملي ان هناك عملية توظيف سياسية من جانب قوى “8 اذار” عموماً و”حزب الله” خصوصاً للتداعيات الناجمة عن تفجير الرويس تتمحور حول شقين: الاول يتمثّل بوضوح في تكريس الامن الذاتي للحزب في مناطق نفوذه ولا سيما الضاحية الجنوبية وبعض الجنوب على غرار ما تشهده منطقة النبطية التي تُتخذ فيها اجراءات يشارك فيها الى جانب الحزب حركة “امل” بحجة التحوّط الأمني لمهرجان احياء ذكرى تغييب الامام موسى الصدر نهاية الشهر الحالي، والثاني يتمثل في فرض أمر واقع سياسي ودستوري جديد عبر ما يُسمى تفعيل حكومة ميقاتي بذريعة عدم التمكن من الانتظار الى ما لا نهاية لتشكيل حكومة جديدة وضرورة الاهتمام بالحد الادنى بالملفات الحيوية الملحة”.
وتضيف الاوساط نفسها ان “هذا الامر لن يكون قابلاً للتمرير او غضّ الطرف من جانب قوى “14 اذار” على الاقل التي تعتقد ان تعطيل تشكيل الحكومة الجديدة مراراً وتكراراً كان هدفه الحقيقي الإبقاء على الحكومة المستقيلة حتى الانتخابات الرئاسية في مايو المقبل وما بعدها ايضاً في حال الاطاحة بالاستحقاق الرئاسي كما يخشى كثيرون”.
ولفتت الاوساط الى ان انه “ليس من الملامح العفوية او من عوامل الصدفة ان يعود التلميح الى تفعيل الحكومة الميقاتية على نحوٍ متزامن مع اندفاع المخاوف الامنية كما لو ان الامر يهدف الى فرض أمر واقع يجري تحت ظلّه السكوت الرسمي على اتساع الامن الذاتي وقطع الطريق على محاولات تشكيل حكومة جديدة كما حصل في الاونة الاخيرة”، واعتبرت ان “الاسابيع القليلة المقبلة ستكون على قدر كبير من الأهمية لان من غير الممكن التسليم بفرض أمر واقع سياسي وأمني على غرار ما يجري الان في حين يمارس فريق “8 آذار” سياسة ترهيبية على المعنيين بتشكيل الحكومة الجديدة تحت ذريعة رفض حكومة امر واقع”.
ولم تستبعد الاوساط عيْنها ان “تنطلق اعتباراً من مطلع الاسبوع المقبل جولة مشاورات كثيفة مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس المكلف تمام سلام عقب عودة الاول من إجازة يمضيها في نيس بجنوب فرنسا والثاني من زيارة خاصة لليونان من أجل تحريك الملف الحكومي والدفع به نحو مرحلة مختلفة عن السابق، علماً ان عدداً من أطراف “14 آذار” بات يرى ان على الرئيسين ان يغادرا مرحلة الانتظار والرضوخ للضغوط المباشرة وغير المباشرة التي تمارسها قوى “8 آذار”، لأن من شأن المضي في حرق الوقت ان يضيّع القدرة الباقية لسليمان وسلام على الاضطلاع بمسؤوليتهما في تشكيل الحكومة كما بتمكين هذه القوى من توظيف التحديات الأمنية في الإمعان بفرض أمر واقع مرفوض دستورياً وسياسياً من جانب قوى “14 اذار” والقوى الوسطية وفي مقدّمها الرئيسان سليمان وسلام والنائب وليد جنبلاط”.