والغريب أنّ قصر النظر تهمة لا تركب تماماً إزاء أداء وتوجّهات وقرارات بعض القوى الممانِعة في لبنان وسوريا وإيران، باعتبار أنّ حنكتها أكيدة وكبيرة، وسعة حيلتها أكبر، وقراءاتها النظرية والتنفيذية مدروسة ومحسوبة.. وتعرف تماماً ماذا تفعل، وبالتالي فإنّ الغفلة عندها غير واردة. وهذا بالضبط مبعث التوجّس غير المحدود، العابر للراهن إلى متاهات الأيام الآتية.
كأنّ هؤلاء في خواتيم الزمان ونهاياته! يتصرّفون وكأنّ لا غد بعد اليوم. وأنّ قدراتهم كافية لتجميد اللحظة، وإدامة الحال، وإغلاق السماء أمام الشمس منعاً لشروقها الحتمي، وإطالة لعتمة النزال القتّال! كما لليل وسواده وللعدم وأهواله.
“وعيهم” يتوّج الغرابة! يجعل السائل حائراً، والحليم متبرّماً، والواعي دائخاً والعاقل سكراناً! وعي شبيه بغفلة الجهل المصفّى. وإدراك يبزّ عِلم الانتحاري بفنائه! وشقاءٌ يناجي العدم ويتآخى مع العبث، ويجعل الموت سلطاناً مقيماً على الحياة كما على الفناء. وعده أنّه طريق الخلود. وسرّه أنّه جسر عبور من الفناء إلى البقاء. وبعد ذلك لا شيء يدوم إلاّ هو وربّ الدنيا.
في مراتب الزمن الحاضر يوضع هؤلاء في خانة الفرادة. وتحت خط عريض وكئيب يدلّ على غربتهم. ويفرد في حواشيه ما يدعّم حجّته: سِيَرٌ وأخبار ووقائع وتواريخ عمَّن سبقهم في الغلو والنحس. ومَن ظنّ قبلهم أنّه أقوى من دورة الأيام وتعاقب الفصول، وأنّه باقٍ مثل الحجر الذي بناه، والقلعة التي شيّدها، والامبراطورية التي دكّ أساساتها بالجماجم! والبنى التي أعلاها بصليل السيوف ودربكة الخيل، والجيوش التي غذّاها بدماء ضحاياه! والعمران الذي رفعه على عظام أعدائه.. ومَن افترض أنّه “الأقدر” على مصادرة مهام ربّه على الأرض وترجمة مشيئته بين الناس!
كأنّ هذا الشرق هو ذاته، مبعث الرجاء واليأس، والشياطين والأنبياء، والمجانين والحكماء.. أوّل العيش وموئل الاندثار.. كأنّه مسحور بالنعمة والنقمة سواء بسواء! شرق الدنيا وآخر علاماتها السوداء!