أثار مشهد الدم السوري المسفوك وجثث الأطفال والنساء والرجال الممدّدة في الأكفان، ومشاهد الهلع في عيون الناجين، مشاعر الغضب والسخط والأسى في نفوس كثيرين.
لكنّ المرعب في مجزرة “الغوطتين” الشرقية والغربية في ريف دمشق، ليس عدد الضحايا الذي فاق 1300 قتيل، بل حجم الصمت الدولي المريب. لم يعد السؤال: هل يستطيع النظام السوري تنفيذ هذه المجزرة، فيما مفتشو الأمم المتحدة على بعد بضعة كيلومترات من مكان حدوثها، أم لا؟ إنّما: هل كان يستطيع تنفيذ هجومه الكيماوي، لو لم يكن مطمئناً إلى أنّ مأساة الحرب السورية قد تجاوزت حرَج تعداد الضحايا، فيما العالم يتفرّج على انهيار، ليس الدولة السورية فقط، بل دول المنطقة برُمّتها؟
المؤسف أكثر أنّ إطلاق الصواريخ أمس على إسرائيل من جنوب لبنان، لا يعدو كونه محاولة مكشوفة لتخفيف الضغط الإعلامي عن أخبار المجزرة، لمعرفة مطلقيها بأهمّية الدم الإسرائيلي!
ما هي اللوحة المتوقعة للأحداث المقبلة، خصوصاً أنّ مجزرة “الغوطتين” تثبت أنّ النظام السوري لا يزال يعتقد أن لا خيار أمامه سوى تحقيق الانتصار، مهما كان الثمن وبشتّى الوسائل وأنواع الأسلحة؟
لا يمكن استبعاد أن يكون قرار قتل أكثر من ألف سوري بالغازات السامة، قد اتّخذ على وقع ما اعتُبر تهاون دوليّ تحت سقف شعارات مكافحة الإرهاب.
فهذه المجزرة ارتكبت، فيما المجتمع الدولي يتواطأ في تسريع وتيرة انهيار الدولة السورية، مُدركاً في الوقت نفسه أن لا شيء يُمكنه ردع طرفي النزاع، للعودة إلى جادة الحفاظ على الحدّ الأدنى من وحدة سوريا، طالما بقي مستقيلاً من دوره السياسي والأمني في الحفاظ على الإستقرار العالمي والإقليمي.
ويقول أحد المحلّلين القريبين من دوائر القرار في الإدارة الأميركية، إنّ المعلومات المتوافرة لدى عدد من أجهزة الاستخبارات تشير إلى أنّ النظام بلغ مرحلة يأس شديد، بعد سلسلة انتكاسات أصابته أخيراً في أكثر من منطقة، وإلى أنّ إحساسه بخطر انهيار مشروعه الخاص لإقامة “حزامه” الأمني والجغرافي، امتداداً من الساحل السوري وصولاً إلى العاصمة دمشق، سرّع قرار استخدام السلاح الكيماوي ضد معارضيه، مع استشعاره بجدّية الخطر الآتي إليه من الجنوب، بعد توافر معلومات عدّة عن قرب حسم المعركة في المناطق المحاذية للأردن، ما يمهّد لنقل المعركة إلى أبواب العاصمة دمشق. وتتقاطع تلك المعلومات مع مخاوف البعض في واشنطن، من “قرار شامل بالهجوم قد اتّخذه النظام السوري بتنسيق تامّ مع حلفائه في إيران و”حزب الله”، ردّاً على انتصارات المعارضة السورية، وعلى الهجمات التي تعرّض لها حزب الله في لبنان”.
ولقد اعتبر هؤلاء “أنّ محاولة نقل جزء من الضغوط على هذا المحور إلى لبنان، يستهدف استغلال الإرباك السياسي والعسكري الذي أصابه من جرّاء انتصارات المعارضة، وتوجيه ضربات للبيئة السياسية والاجتماعية الحاضنة لـ”حزب الله” في عقر داره. غير أنّ مقدّمات الهجوم الكيماوي الأخير قد تمّت قراءتها في الخطاب السياسي للسيّد حسن نصرالله، عندما أعلن أنّه يخوض معركة لا هوادة فيها مع “التكفيريّين” أينما وُجدوا”.
وتتوقف أوساط عربية في واشنطن عند التهديدات والردود السلبية، ومحاولات قطع الطريق على كلّ المبادرات التي سعى إليها بعض القيادات اللبنانية، لمنع تفاقم الأمور وانزلاق الأوضاع في لبنان إلى مدارك يصعب توقّع ما قد يحصل جرّاءَها، مع التهديدات ببدء تنفيذ ما أشيع عن مخططات تستهدف ربط مناطق لبنانية بعضها ببعض، ووصلها بـ”الحزام” المحكي عنه أعلاه من الساحل السوري إلى دمشق.
وتؤكّد مصادر أميركية مطلعة أنّ التقارير الديبلوماسية الواردة من لبنان، عكست ما يُعدّ له من خطط ومشاريع أمنية وعسكرية، حيث يُخشى استغلال ما جرى، سواءٌ في لبنان أو في سوريا، لتنفيذ مخطّط “تطهير” المناطق المستعصية، مع إعلان الجهات اللبنانية المعنية عن خريطة المناطق التي كُشف فيها عن “خلايا تفجيرية”. وتكشف تلك الأوساط عن تحرّك دوليّ قريب ستقوده فرنسا، للتخفيف من حدّة التدهور المتوقع في لبنان، خصوصاً أنّ قرار “حزب الله” بتولّي زمام الأمن في أيّ منطقة “شيعية”، قد يُهدّد بإسقاط آخر المؤسّسات السيادية والمتمثل بالجيش اللبناني، الذي قد يجد نفسه عاجزاً عن تطبيق “أمر العمليات” الذي أصدره الحزب.