كتب المحرر السياسي في صحيفة “اللواء”:
هذه المرة، كان دور طرابلس.
طرابلس الفيحاء وعاصمة الشمال، ومدينة التعايش والوئام، ومدينة الحب والسلام، ولكل من دخلها آمناً.
ضربتها يد الاجرام والارهاب، بعد اسبوع بالتمام من جريمة تفجير الرويس في ضاحية بيروت الجنوبية، مستهدفة ابناءها الآمنين والخاشعين اثناء تأدية صلاة الجمعة.
ضربتها، بكل همجية ووحشية وعنف غير مسبوق، لم تشهده المدينة من قبل، ولا تحسبت بأن يضع مجرمون سيارتين مفخختين امام مسجدين لحظة خروج المصلين، وهذا الأمر يفترض أن يكون خطأ أمنياً يصل إلى حد التقصير. ويبدو ان المسجدين «السلام» في ميناء طرابلس و«التقوى» في مستديرة نهر ابو علي، وعند بوابة التبانة، قد اختيرا بعناية اجرامية متقنة، «فالسلام» الذي يقع عند مدخل مدينة الميناء، استهدف بحسب المعلومات المؤكدة بسيارة من طراز «فورد» رباعية الدفع وتقدر زنة العبوة فيها بـ 175 كلغ من المواد المتفجرة.. وموقع التفجير يعتبر نقطة تقاطع لمنازل عدد من المسؤولين الكبار، لعل اهمهم، وقد يكون هدفاً، لكن العناية الإلهية انقذته، هو المدير العام السابق لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي، الذي لا يبعد منزله سوى 20 متراً عن المسجد الذي اعتاد ريفي تأدية الصلاة فيه، وقد ألحق به انفجار السيارة اضراراً كبيرة، لكن الرجل سلم هو وعائلته بحمده تعالى.
اما مسجد «التقوى» وهو مسجد حديث، انشئ منذ عامين، ويقع في نقطة تقاطع واسعة، يجمع عادة المصلين من مناطق التبانة والزاهرية والمئتين، فقد كان الهدف امامه الشيخ سالم الرافعي، عضو هيئة العلماء المسلمين، والذي لمع نجمه منذ هاتين السنتين، منذ اندلاع الثورة السورية، لكن العناية الإلهية انقذته ايضاً، فسلم الرجل، لانه كان لا يزال داخل المسجد.
إلا ان هدف المجرمين لم يكن فقط هذين الرجلين، بقدر ما كان حصد الابرياء بالقتل تفجيراً.
وقد اجمعت كل المواقف السياسية على ادانة الجريمة المزدوجة والتي حصدت علىالاقل اكثر من 43 شهيداً وحوالى 500 جريح، (حتى منتصف ليل امس) بحسب حصيلة شبه النهائية التي اعلنتها وزارة الصحة، واتهام زارعي السيارتين المفخختين، بمحاولة الايقاع بين اللبنانيين، وخاصة بين السنة والشيعة، بهدف اشعال النار المذهبية.
وفيما ربطت بعض الاوساط، مسلسل السيارات المفخخة بتسلل النيران السورية الى لبنان، نتيجة انخراط «حزب الله» في الحرب السورية، سارع الرئيس فؤاد السنيورة الى مناشدة الحزب بالانسحاب من سوريا، وإغلاق أبواب الفتنة القادمة من سوريا، والعمل على تحصين الجبهة الداخلية، كما نشط باجراء اتصالات بكل من إمام مسجد «التقوى» الشيخ الرافعي، وإمام مسجد «السلام» الشيخ بلال بارودي مشدداً على «خطورة الجريمة التي تعرّضت لها طرابلس وأبعادها ومعانيها».
ولفت الرئيس السنيورة نظر الشيخين، وكذلك مختلف فاعليات طرابلس، إلى أن من نفّذ هذه الجريمة وفي هذا التوقيت، هدف إلى دفع أهل المدينة إلى حالة من التطرّف أو التصرّف بتوتر ضد الدولة وأجهزتها ومؤسساتها للوقوع في فخ اللجوء إلى الأمن الذاتي والتمرد والخروج على الدولة، وضرورة الانتباه إلى هذه الأفخاخ. وكان توافق بين الرئيس السنيورة في هذا الكلام وهذا التحليل بينه وبين الشيخين اللذين اكدا على خطورة ما يدبر للمدينة، وعلى تمسكها بالاعتدال والتروي والحكمة، لقطع الطريق على أعداء لبنان التزاماً بمنطق الدولة.
واتصل السنيورة كذلك بقائد الجيش العماد جان قهوجي ووضعه في صورة ما تمّ التداول به، وكان تأكيد على أن «الطريق مفتوحة أمام الجيش والمؤسسات الأمنية لضبط الأمن ومنع المظاهر المسلحة وعدم القبول بالأمن الذاتي في أي منطقة من المناطق اللبنانية، انطلاقاً من طرابلس».
وكان الرئيس السنيورة، خلال هذه الاتصالات، على تواصل دائم مع الرئيس سعد الحريري الذي ناشد بدوره كل القيادات والهيئات والفاعليات بأن تعمل على التمسك بالصبر والحكمة ومواجهة هذه الجريمة بما تقتضيه من تضامن وتعاون وتسهيل المهمات للسلطات الأمنية والقضائية، وعدم تقديم أي ذريعة لكل من يريد شراً بطرابلس وأهلها.
من يقف وراء التفجيرات؟
والسؤال الذي شغل الأوساط السياسية بقي عائماً، وهو: مَن يقف وراء هذه التفجيرات المتشابهة والمتقنة في التنفيذ، خاصة وأن التحقيقات الأوّلية لم تظهر وجود أي أثر لانتحاري في السيارتين ما يؤشر إلى أن سيارتي طرابلس تمّ تفجيرهما بنفس الطريقة التي تمّ بها تفجير سيّارة الرويس.
وأبدت هذه الأوساط تخوفها من أن تكون التفجيرات المتنقلة في المناطق ذات الكثافة السنية، والأخرى ذات الكثافة الشيعية، تبيّت مخططاً خبيثاً هدفه إضرام نار الفتنة المذهبية، على غرار ما حصل في بغداد، إبّان الوجود الأميركي في العاصمة العراقية، الأمر الذي ينذر «بعرقنة» الوضع اللبناني، في حال تركت الأمور على غاربها، دون أي معالجة سياسية وأمنية حاسمة.
ولم تستبعد الأوساط السياسية أن تشكل هذه التفجيرات الإجرامية ضغطاً متزايداً على كل الأطراف السياسية لمراجعة مواقفها وحساباتها من الوضع الحكومي واتفاق بعض المواقف التي تساعد على تسهيل ولادة الحكومة العتيدة، وتحقيق نقلة نوعية تساعد على استعادة الأمن بواسطة أجهزة الدولة الشرعية، وإعادة الدماء إلى شرايين الحياة السياسية.
ولعل أبرز هذه المواقف ما قاله الرئيس نبيه بري عندما أدان جريمتي التفجير الإرهابيتين، بأن اليد الآثمة واحدة في طرابلس وفي الضاحية، وأن الجواب عليها أن نكون كلبنانيين يداً واحدة. وأيضاً ما قاله الرئيس تمام سلام بأن «جريمة طرابلس دليل إضافي على أن الأوضاع في لبنان بلغت مرحلة شديدة الخطورة تتطلب استنفاراً وطنياً سياسياً وأمنياً لقطع دابر الفتنة، والتعامل مع الاستحقاقات السياسية بأعلى قدر من المسؤولية الوطنية.
وكان لافتاً، في هذا السياق إعلان الرئيس ميشال سليمان عن قطع إجازته والعودة إلى لبنان ليترأس اليوم اجتماعات طارئة مع رئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي وقيادات الأجهزة الأمنية، فيما أصدر الرئيس ميقاتي مذكرة قضت بإعلان الحداد العام اليوم السبت على أرواح الضحايا الذين سقطوا، وطلب من اللبنانيين الوقوف لمدة خمس دقائق عند الحادية عشرة قبل الظهر، حيث ما وجدوا، استنكاراً للجريمة النكراء وتعبيراً وطنياً شاملاً ضد الإرهاب والإرهابيين وتضامناً مع عائلات الشهداء والجرحى.
أما «حزب الله» الذي أصدر بيان استنكار للجريمة اتسم بالود تجاه «أهلنا وأخواننا في طرابلس الحبيبة»، فإنه ناشد العقلاء أن يغلّبوا لغة الوعي والعقل، وألا ينساقوا وراء الشائعات والاتهامات التي تريد خراب البلد وأهله»، معتبراً بأن «التفجيرين يأتيان كترجمة للمخطط الاجرامي الهادف إلى زرع بذور الفتنة بين اللبنانيين وجرّهم إلى اقتتال داخلي تحت عناوين طائفية ومذهبية».
ولاحظت مصادر قيادية في قوى 8 آذار أن «المفصل الحقيقي بالنسبة للجميع بات الآن يتمحور حول منع كيفية إراقة دماء اللبنانيين بمختلف انتماءاتهم ومذاهبهم وطوائفهم، مشيرة بالاسم إلى «حزب الله» وتيار «المستقبل» للتعالي عن الإنقسامات والجلوس إلى طاولة الحوار والتفاهم وتشكيل حكومة وحدة وطنية تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار، بما يمنع وحوش الإرهاب من ضرب الكيان اللبناني.
ولفتت هذه المصادر إلى أنه لم يعد بمقدور أي طرف الإنكار بأن الحرب على لبنان وأهله أصبحت أكبر من الجميع، وان وعي القيادات لخطورة وحساسيات ما يجري، يحتاج إلى تعزيز هذه المناخات عبر إحباط أية مفاعيل سلبية لهذه التفجيرات من خلال رفع منسوب الوعي السياسي برفض الإنجرار إلى السلبية وتغليب لغة الحوار والعقل، مما يقيد ويكبح جماح من يريد تفجير لبنان.