كتب ناتالي إقليموس في صحيفة “الجمهورية”:
«لا يكفي الإستنكار، لا بدّ من تقديم قتلة الرئيس رفيق الحريري إلى المحاكمة، وسحب السلاح غير الشرعي، و«ما بيصير ضربة كف» في لبنان». أكثر من أي وقت مضى، خرج إمام مسجد «السلام» الشيخ بلال بارودي مؤكداً ثباته على مواقفه رغم سيل التهديدات التي تبلّغها، وآخرها تعرّض المسجد إلى تفجير، معتبراً «انّ ما حدث صدمة كبيرة، لكن في الإيمان نذلّل المصاعب، وبحكمة الله نتعالى على الجراح».
بعد نجاته من الإنفجار الذي وقع أمس، ازداد الشيخ “بارودي” عزيمة وإصراراً في إسكات أبواق الفتنة التي تفتك في لبنان. وأوضح لـ”الجمهورية”: “بعد كلّ ما أصاب طرابلس، أتمنى أن يفهم الأهالي من يريد جرّ لبنان إلى الفتنة، وأن يعوا كذلك خطورة السلاح. وأتمنى لو يفهم اللبنانيون أهمية التنوّع الطائفي، والخلاص لن يكون إلّا بوحدتهم، خصوصاً وأنّ بلدنا يمرّ بمرحلة خطيرة لم يشهدها سابقاً، وهي أقرب إلى العرقنة”.
وناشد بارودي المسؤولين ضرورة اتخاذ قرار منع الفتنة، قائلاً: “منع الفتنة يعني الإمتناع عن المقاتلة في سوريا فذلك لن يجرّ إلّا الى الفتنة، وعوض إرسال مئات المقاتلين، يمكن إرسال الأطبّاء، الممرّضين، المعلّمين”. وأضاف: “موقفنا من النظام السوري، ومن دعم الخط السنّي السياسي واضح، لكن على الدولة أن تأخذ موقفاً واضحاً وحاسماً، وأن تضرب بيد من حديد كونها صاحبة القرار وفي يدها الحل”. وفي السياق عينه، أعرب بارودي عن سخطه حيال اعتباره من التكفيريّين، قائلاً: “منذ مدّة نلتزم الصمت ونعضّ على الجرح، ولطالما واظبت من جهتي على إرسال رسائل تطمينية، وحرَّمت الشماتة وقتل العدو، وبالنتيجة نصبح في نظر البعض تكفيريّين؟”.
وعن فحوى الخطبة التي كان يوجّهها إلى المؤمنين، قال: “كنت أدعو الأهل إلى الهدوء والحكمة، وأخاطبهم عن مبدأ الإستعانة بالله والصبر، فكانت يد الغدر لنا بالمرصاد. لكن بقدرة إلهية أطلت الخطبة، وإلّا لكان عدد القتلى أكثر من المحصّلة النهائية. فهل هذا جزاء الحكمة؟”.
واعتبر بارودي أنه “لا يمكن إحقاق العدالة إلّا بعد إدخال كلّ من يروّج للفتنة إلى السجن”، مؤكداً رفض أهل طرابلس اللجوء إلى الأمن الذاتي”، سائلاً: “هل المطلوب تأمين الأمن الذاتي كبقية المناطق؟ كيف ذلك ونحن لا نقوى على استقدام آلة لكشف العبوات، أو حتى لتفتيش السيارات. لذا على الدولة أخذ موقعها كما يجب، وهي لن تجد من يساندها أكثر من الطائفة السنّية”.
وبنبرة غاضبة، أضاف بارودي: “أكثر ما يزيد الطين بلّة حين يسألني أحدهم عن توقعاتي حيال ردود فعل الشارع السنّي، في وقت قياداته غائبة، وأصواتهم مخطوفة، ورؤساء الطائفة إما مقتولون، أو مهددون بالقتل. عن أي شارع سنّي يتحدثون، ولماذا هذا المنطق الطائفي، فنحن لا نحمل إلّا الهوية اللبنانية”.
وهل يضع تأليف الحكومة حداً للفلتان الأمني، أجاب بارودي: “ما نفع الإسراع في تأليف حكومة في وقت لا يُسمح لها بالحكم في ظلّ وجود من يقدر على ليّ ذراعها؟ ليس الغاية من تأليف الحكومة أخذ صورة تذكارية، إنما المقدرة على حماية شعبها وتجنيبه الفتنة”.
المفتي الشعار… من باريس
على رغم وجوده “الإجباري” في باريس، نتيجة تبلّغه عدداً من الرسائل التهديدية، حرص مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار على متابعة مجريات الإنفجارين لحظة بلحظة. وفي اتصال مع “الجمهورية” إستنكر ما حدث: “أبدأ حديثي في تقديم التعازي الحارة إلى كلّ مصاب وفقيد وشهيد، دعائي لشهدائنا بالمغفرة والرحمة. من الواضح أنّ الغاية كانت النيل من البشر، فليس للإجرام قلب أو عقل وليس عنده رحمة على الإطلاق، لذلك أياً كان الخلاف الداخلي في الإطار السياسي، وحتى المشاكل الخاصة في ما بيننا، يجب أن نضعها جانباً لنمنع العدو الحاقد الوصول لصفوفنا، فيُمزّقها”.
وأضاف: “ما حدث في طرابلس عيّنة ممّا ألمّ بالضاحية الجنوبية، ويمكن أن يحدث لا قدّر الله في أي منطقة أخرى. يبدو أنّ هناك إرادة جادة وشريرة في إغتيال الوطن، والنيل من وحدة الكيان اللبناني”.
وعن الجهة التي تقف وراء التفجيرين، قال: “لا نحمّل الطوائف أو المذاهب ما يحدث في لبنان من إنفجار وبركان. ولا نستطيع الردّ إلّا بالتشديد على الوحدة الوطنية، والأخوة الإسلامية – المسيحية، والإسلامية – الإسلامية، وإذا لم نرتقِ على الجراح، فستجد مثل هذه المحاولات طريقاً إلى قلوب الناس وتفجّر فيهم الأحقاد”. ولا يخفي الشعار أنّ رهانه الاكبر يبقى على وعي اللبنانيين، قائلاً: “أعيد ما قلته لأخواني في الضاحية، علينا أن ننزّه بعضنا عمّا يحدث من إعتداء على مناطقنا. وما حدث في الشمال عفوياً قد يلهب عواطف الطرابلسيين ويدفعهم إلى تذنيب أخوانهم في “حزب الله” أو الشيعة أو كلّ من اختلف معهم في الإطار السياسي. لذا لا ينبغي تحميل هذه الأمور إلّا إلى الشيطان الأكبر الذي يحرم لبنان الإستقرار”.
وبعدما شدّد على “ضرورة التحلّي بالوعي والإنصياع إلى قيادة رئيس الجمهورية ميشال سليمان”، دعا الشعار السياسيين إلى تسهيل تأليف حكومة رشيدة واعية، معتبراً أنّ الكيد السياسي يعيق تأليفها حتى الآن، لذا على الجميع التساهل في جزء من مطالبه، فلو تنازل كل فريق خطوة، يمكن التوصّل إلى حكومة تجنب لبنان مغبّات التفجير المتنقل”.
المفتي قباني
من جهته، وجه مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني رسالة الى اللبنانيين دعاهم فيها إلى مواجهة الفتن : «قصّروا المسافات التي تفصل بينكم، ووحّدوا صفوفكم في مواجهة الآتي من الجراح والمصائب والآلام، فإن لبنان لن يصمد أمام المكائد المقبلة إن لم تكونوا صفاً واحداً كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا».