في علم الإستخبارات حديث طويل عن تصنيف العمليات الإستخبارية المتبادلة بين أجهزة ودول. في أحد وجوهها ومظاهرها ما يمكن اعتباره «العمليات النظيفة» التي لا يترك فيها مرتكبها ايّ أثر له ولا تراق فيها نقطة دم، وفي وجه آخر لها ما يسمى «العمليات الوسخة» التي تستهدف المواطنين الأبرياء العزل مثلما جرى ويجري في لبنان. كيف يمكن الوصول الى هذه المعادلة؟
قبل الدخول في الظروف التي قادت الى الحرب الإستخبارية الدائرة على الساحة اللبنانية والتي ابتلعت ما بين بئر العبد والرويس وصولاً الى طرابلس ومينائها مئات الشهداء والجرحى، لا بدّ من الإشارة الى بعض “الأخطاء الشائعة” التي تُستخدم في بيانات الإستنكار لما يحصل هنا او هناك فيها كثير مما يجافي الحقيقة ويزرع في نفوس المواطنين كثيراً من الأسى والحيرة، ويدعوهم الى أن يغمضوا أعينهم على الحقائق، وهو ما يؤدي في النتيجة الى تجهيل الفاعل وتسخيف المصيبة وجعلها أكثر خطورة وايلاماً.
ومن هذه الأخطاء المعتمدة، قصداً او بغير قصد، لا بد من الوقوف امام بعض “العبارت المسبوكة بعناية أدبيّة” وهي الأكثر إستخداماً. كالقول، على سبيل المثال لا الحصر، إنّ مَن وضع سيارتَي طرابلس أمس وسيارة الرويس قبل ثمانية أيام وقبلها في بئر العبد واحد، فيما الحقيقة هي انّ الشهداء والضحايا في هذه المواقع المستهدَفة هم أنفسهم، وانّ واضعي السيارات المفخخة هما إثنان على الأقل، يخوضان ومعهما وكلاء محليون وعملاء إحدى المعارك الأكثر وساخة في تاريخ النزاعات بين الأجهزة الإستخبارية في العالم. طالما انّ المستهدف منها مواطنون أبرياء كانوا في الطريق الى اعمالهم او في منازلهم او قبل الصلاة وبعدها.
وعلى هذه المعادلة، يقول العارفون، إنّ على اللبنانيين الاقتناع بأنهم وقود هذه الحرب الجديدة التي عادوا بها الى أحيائهم وهم الذين تورطوا في الحرب السورية، وخاضوا المعارك الى جانب النظام السوري او المعارضة على رغم الفوارق في الأدوار والقدرات ومدى ما جنّد له الطرفان من عتاد ورجال ومال وأسلحة وذخائر، وصولاً الى الوسائل الإعلامية التي جُنّدت لمصلحة الطرفين تسوّق لكل منهما نظريته الخاصة على كل المستويات، بما فيها تلك التي تجافي الحقيقة وتسخّف ما يجري على الساحة اللبنانية من مواجهات بالواسطة لمصلحة هذه الجهة او تلك. ولعلّ ما يعزّز الاقتناع بأنّ ما يشهده لبنان بات مرآة لما يحصل في سوريا او غيرها من البلدان التي تحاكي في الأزمات التي تعيشها المواجهة المذهبيّة بين السنّة والشيعة، هذا التبادل في القتل الجماعي على الهوية بالسيارات المفخخة بعدما عجزت الأسلحة الفردية عن زرع الرعب بين صفوف المصطفين في حرب المحاور الدائرة على أكثر من ساحة عربية وإسلامية، خصوصاً على الساحة السورية الأقرب. والأخطر هو أنّ طرفَي النزاع يستجديان الدعم الخارجي اكثر من الداخلي، لعل في ذلك ما يوفر لهما الغلبة على الساحة اللبنانية في هذا الملف او ذاك، او في هذه القضية او تلك، وصولاً الى تأليف الحكومة الجديدة التي باتت ولادتها أكثر صعوبة من أيّ وقت مضى، على رغم انّ اللبنانيين لم يعرفوا الحلول المرتجاة لمشكلاتهم، أو تأجيل الإنفجار الكبير، إلّا على صفيح ساخن من الدم والدمار والخراب.
وعلى هذه الخلفيات تقول مراجع مطلعة على آخر السيناريوهات الخطيرة المرسومة للبنان، انّ الحرب التي بدأت في شوارعه على هامش المشاركة في الحرب السورية لم تنتهِ فصولاً بعد. لا بل إنّ الفصول الدموية منها هي التي بدأت منذ فترة، وليس في الأفق ما يضمن انّ ما حصل أمس كان نهاية العنقود، لا بل إنّ المعلومات المتداوَلة التي تحدثت قبل ايام عن سيارة مفخخة ستنفجر في الساعات الـ 48 المقبلة قد صدقت، ولو أنها انبتت “زميلة” لها، في اعتبار انّ ما حصل كان رداً على عملية سابقة، وما إستخدام سيارتين بدلاً من واحدة سوى للتعبير عن القدرات الخارقة المتوافرة للمواجهة القائمة، وللتأكيد انه متى كان القرار بتفجير سيارة قراراً نهائياً لا رجعة عنه، فإنّ اعتراضه أو محاولة منعه لا زال أمراً صعباً ومستحيلاً ولو أسعفت المصادفة أحياناً التخفيف من آثاره والنتائج.
وعليه فقد نصحت المراجع المعنية المسؤولين اللبنانيين بضرورة مصارحة اللبنانيين بأنّ الأمور باتت على شفير الإفلات من أيدي من قادوا مجتمعاتهم الى اليوم، وانّ الغلبة في المرحلة المقبلة لمن قرروا ركوب موجة الأشلاء البشرية لمصلحة هذا الطرف او ذاك. ولو كان الضحايا من ابناء عمومتهم ومن جلدتهم، فالغاية تبرر كل الوسائل من السيارات المفخخة الى الغازات السامة، ومَن لا يصدق ذلك عليه أن ينتظر مزيداً من فصول الدم في لبنان وسوريا وسنرى في القريب العاجل ما يعزّز هذه النظرية، طالما انّ القرار لم يُتخذ بعد لإنهاء المواجهة في سوريا، ولأنّ تقاسم النفوذ والمنافع لم ينتهِ بعد، ومَن ينادي بحياد اللبنانيين من الأفضل له أن يقصد سويسرا من دون المرابين وسماسرة الموت لئلا يُفسد الحياد السويسري.