
وما النداء الذي وجهته روسيا والصين أول من أمس وإيران بالأمس الى نظام الأسد بالسماح لمفتشي الأمم المتحدة بالتحقيق في جريمة الغوطة وإلقاء التهم على الثوار في ذلك الهجوم الكيمائي، إلا استدراكاً لخطورة الأمر ومحاولة مستميتة لحلفاء الأسد لكسب المزيد من الوقت من خلال فتح تحقيق قد يستغرق أشهراً يمنعون فيه عملية عسكرية محتملة لـ”الناتو” يبدو أن موعدها قد اقترب. ويعمد رعاة الأسد في الوقت عينه عبر قنواتهم الديبلوماسية مع أوباما ووزير خارجيته جون كيري على تخفيف الضغط الممارس من قبل لندن وباريس وأنقرة والخليج العربي على واشنطن، وذلك بهدف استمرار الصراع في سوريا ودورانه في الحلقة المفرغة ذاتها الى حين حصول المعجزة التي تنشدها طهران وموسكو وهي الانتصار الميداني للأسد واستسلام الثوار.
وصرح مسؤول كبير في الإدارة الاميركية لـ”نيويورك تايمز” طالباً عدم كشف اسمه: “سنكون ذهبنا بعيداً إذا ما قلنا إننا نبحث عن مبرر مشروع لعمل عسكري وخصوصاً أن الرئيس لم يتخذ بعد أي قرار”. أضاف: “لكن بالطبع يشكل (إقليم) كوسوفو سابقة لوضع يمكن أن يكون مشابهاً”.
وأشار المصدر نفسه الى أن النقاش حول كوسوفو كان أحد المواضيع التي بحثت بشأن الملف السوري. وأوضح أن العواقب المحتملة لتوجيه ضربات في سوريا على دول المنطقة مثل لبنان والأردن وتركيا أو مصر تدرس أيضاً.
وما أشبه الوضع في سوريا اليوم بكوسوفو الأمس. فنظام بشار الأسد شقيق برضاعة الحقد الاثني والديني لنظام سلوبودان ميلوسيفيتش. وروسيا التي استخدمت الفيتو لمنع التدخل الدولي ضد الصرب هي نفسها التي تعارض اليوم أي إجراء دولي ضد البعثيين. لكن تجدر الإشارة الى أن العدد الهائل للضحايا واللاجئين السوريين خلال عامين ونصف يفوق أضعافاً مضاعفة أرقام الضحايا والمشردين من مسلمي البوسنة وكوسوفو الذين نكل بهم الصرب اليوغوسلاف على مدى ثلاثة أعوام بين 1996 و1999.
الذريعة لغارات الناتو هذه المرة ستكون كما حصل في كوسوفو إنسانية، خصوصاً وأن أرقام الأمم المتحدة الأخيرة تشير الى أكثر من مليون طفل سوري مشرد وفي حال أثبت المفتشون في تقريرهم استخدام الكيميائي هذا سيقوي التدخل العسكري تماشياً مع القوانين والأعراف الإنسانية العالمية. ولم تشكك أي دولة الى الآن بأن الكيميائي قد استخدم حتى إيران نفسها اعترفت أمس بأن الكيميائي قد استخدم وإن حاولت تبرئة النظام من هذا الاستخدام. إذاً، المجتمع الدولي ككل يجمع أن الكيميائي استعمل وبالتالي فإن تقرير المفتشين سيحدد الجناة.
ولا يبدو التوقيت لتدمير طيران الأسد ومراكزه العسكرية أفضل من هذا الخريف حيث تنتشر البارجات الحربية الأميركية والبريطانية في مياه المتوسط على مدى الأشهر المتبقية من العام الجاري. وهذا أمل آخر بأن الفرج بدأ يلوح لأهالي سوريا ولبنان الذين عانوا الأمرين من النظام السفاح على مدى عقود.
يُشار الى أن أوباما تعرض في الأشهر القليلة الماضية الى ضغوط من داخل حزبه الديموقراطي بوجوب اتخاذ تدابير أكثر حزماً للتعامل مع الأزمة السورية. وكان بين المطالبين بتغيير سياسة عدم الحراك الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون الذي أشرف بنفسه على إنهاء أزمة كوسوفو، وأوباما يمر الآن في وضع مشابه جداً لذا لا حجة متبقية لديه بإلقاء اللوم على الفيتو الروسي في مجلس الأمن.
