#dfp #adsense

الزمن الإرهابي الجديد في مواجهة تقاليدنا الحربية اللبنانية!

حجم الخط

تراوحت الاعتداءات الإرهابية على الأراضي اللبنانية في السنوات الماضية بين الاغتيالات المتسلسلة لشخصيات سياسية واعلامية وأمنية، وبين تفجيرات متنقّلة لم تكن تتقصّد ايقاع عدد كبير من الضحايا.

السياق العام لهذه الاعتداءات الإرهابية الماضية كان يُجمَل في اطار الحرب المزدوجة، السرّية والعلنية، التي شنّها النظام السوري المجبر على الإنسحاب من لبنان، وبمشاركة أعوانه اللبنانيين “الممانعين”، ضد التركيبة المحلية “الإستقلاليّة” المناوئة له، ومن أجل تعطيل عمل المحكمة الدولية الخاصّة بلبنان.

في المقابل، ومع الجريمتين الإرهابيتين الدمويّتين في الضاحية وطرابلس، يظهر أنّنا طوينا صفحة شكّل الإرهاب “الإغتياليّ” لولبها، لندخل الى صفحة جديدة، يشكّل الإرهاب الواسع النطاق ضد “المدنيين” سمة كابوسيّة رئيسية فيها، وبشكل يستهدف ليس فقط المدنيين من حيث هم مدنيون، وإنما يعمل على انكار مدنيّتهم من أساسها، وإعادتهم الى تصنيفات “بيولوجية” بحت، كأقوام يظنّ كل منها أنّ الآخر يعمل غريزياً وبشراهة على سفك دمائه، بالمعنى الحرفي للكلمة، فيبني على الشيء مقتضاه: الرعب “المستشيط”، استيراداً وتصديراً.

حكي كثيراً في الأيام الماضية عن “عرقنة لبنان”، كما حُكي عن انتقال اللهيب السوريّ اليه. الأمور تختلف. في العراق وسوريا، نظامان بعثيان فئويان، فرض كل منهما سيطرة مديدة بالحديد والنار وبشكل اضطهادي، للشيعة والاكراد في العراق، وللسنّة بالدرجة الأولى في سوريا، في حين انّ طبيعة الصراع الطائفي في لبنان تختلف، فالهيمنة المسيحية فيه تراجعت تباعاً مع تضاؤل رقعتها الديموغرافية، ولم تكن اضطهادية للآخرين ولو كانت استبعادية أو تهميشية. وبعد انقضاء تلك الهيمنة، فشلت محاولات بلورة مشاريع هيمنة طائفية مستقرّة بديلة، وتماشى ذلك مع تحكّم الوصاية السوريّة بمقاليد الأمور، الى ان ورث “حزب الله” الوصاية، ودخل شيئاً فشيئاً في محاولة فرض نظام هيمنة فئوية شموليّ على بقية اللبنانيين، انما من دون ان يفلح في ذلك ولو مالت موازين القوى بشدّة الى صالحه، بفضل ثلاثية التعبئة والسلاح والديموغرافيا، وبسبب أنماط ضعف “بنيوية” لدى أخصامه، تعكس هشاشة التركيبة اللبنانية بحد ذاتها.

في لبنان، الصراع الطائفي بقي، رغم هول المجازر، أكثر تسييساً بكثير مما هو الأمر في سوريا والعراق حيث يؤدي عدم تسييس الصراع الطائفي، الى المكابرة عليه في الأول، ثم الى تحوّله الى صراع دمويّ تناحريّ عارٍ. وهكذا، فانه بخلاف الحرب الاهلية اللبنانية مثلاً التي كانت تتنقل بين جولات هدنة وتهدئة وبين جولات احتراب متنقلة بين المناطق، فان ما عاشه العراق، وما تعيشه سوريا حالياًً، هو مشهد حرب أهلية “كلّية”، لا مكان فيها لانقسام الزمن بين فترات هدنة وتهدئة وبين جولات قتال.

من هذه الناحية، التقليد اللبناني في الاحتراب الأهليّ مختلف عن المدرسة العراقية – السوريّة المستفحلة مع الاسقاط السريع للنظام البعثي العراقي، الاحتضار الطويل للنظام البعثي السوري. وبشكل ما، من كان بمستطاعه التنقل بين جولات تهدئة وجولات اقتتال دامٍ في عزّ حربه الأهلية، فعليه، أقله، أن ينأى بتقليده الخاص في خوض الحرب الأهلية عن المدرسة الكابوسية الأخرى.

بالتوازي، فان ما يفصل الحالة اللبنانية عن الحالتين السورية والعراقية مجتمعتين، يعود فيجمعهما: ففي هذا المسلخ الإقليمي الممتد، ومهما كان مركزياً مفهوم “الارهاب” عندما يتعلّق الأمر باستهداف السكان، لايقاع عدد وافر من الخسائر في ما بينهم، وباستهدافات تتقصد تسعير الفتنة المذهبية، فإن مفهوم “الحرب الأهلية” في سياقاته المختلفة بين لبنان وسوريا والعراق لا ينبغي في أي وقت كان اخراجه من زاوية النظر. وهنا أيضاً، فان ذاكرة الحرب الاهلية الماضية، كما وقائع الحرب الاهلية السورية، ينبغي الاتكاء عليهما للبحث عن شعاع رجاء يمكن أن يؤسس عليه.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل