لكن في المحصّلة، ما أطاح بحكم الإخوان لم يكن استبدادهم، فهذا عجزوا عن ترجمته على أرض الواقع، وتحوّلوا من ثمّ إلى وقود لنهوض حالة خطيرة من العسكريتاريا والشعبوية، عسى أن يخفّف مرور الوقت بعض غلوائها، فتعود الأمور إلى جادة السياسة، والبحث عن آفاق ميثاقية سليمة لاستئناف الديموقراطية… الشهيدة.
هذا في أرض الكنانة حيث فشل الإخوان في الاستبداد ونجحوا في تحطيم الأرقام القياسية للفشل، وبسرعة قياسية. أما في الشام، فالنظام البعثي يسجّل يوماً بعد يوم نجاحه في الجمع بين اثنتين: الطغيان الدموي المتمادي، وصولاً الى اللحظة “السارينية”، والفشل الذريع المستفحل. فمن بعد الفشل في إطالة عهد الاستبداد الأسدي كنظام حرب أهلية من جانب واحد على امتداد عقود، كان نجاح في تحويل الثورة الشعبية الى حرب أهلية، لكن هذه الحرب الأهلية وإن لم تكن تجلياً للروح الثوروية، كحال الحروب الأهلية المرتبطة بالثورات الكبرى، من فرنسية وروسية وصينية، إلا أنها صارت عنواناً لفشل النظام عن أي حسم لها في أي منطقة أساسية، باستثناء “نجاته” من سقوطه المحقق لو فشل في معركة القصير.
لكن الكارثي في هذا المجال، أنّ هذا النظام يتعامل مع فشله الذريع على أنه مصدر قوة له، ولسنا نعني فقط فشله في الحفاظ على استبداده “السلميّ” السابق، بل وفشله أيضاً في الحرب الأهلية نفسها. نحن أمام أوّل نظام في التاريخ يتعامل مع أكبر كارثة إنسانية في غرب آسيا منذ المجازر الأرمنية، وهي الكارثة التي تسببت بتهجير ملايين السوريين، على أنّها حجّة لهم لا عليه. نحن أمام أوّل نظام يستبشر خيراً من ظهور أي نزعة عنصرية ضد اللاجئين من بلاده في هذه العاصمة أو تلك.
والكيماوي؟ نحن أمام نظام ليس بعد خسّته خسّة. عندما ضرب نظام صدّام حسين الأكراد بالكيماوي، برّر ذلك في سياق الحرب العراقية ـ الإيرانية، ولم يقل إن الأكراد ضربوا أنفسهم بها.
لكنه اليوم نظام له بعد عالميٌ: يطرح خساسته هذه، الناتجة عن جمعه بين منتهى الطغيان ومنتهى الفشل، كرسالة عالمية: فالعالم الذي يسمح لهكذا نظام بالاستمرار في الوجود، هو في نهاية المطاف، عالمٌ يحتوي على نذر غير قليل من الخسّة.