حساباته هذه المرة انتحارية وليست شمشونية! لن يستطيع تهديم الهيكل فوق رأسه ورؤوس أعدائه، بل يستطيع (واستطاع) أن يوصل نفسه بنفسه الى مكان لا رجعة منه.
فعلها قبله صدام حسين برغم أن الفارق الزمني بين قصفه حلبجة ولحظة سقوطه قارب الخمسة عشر عاماً بالتمام والكمال!.. لم يسقط إلا بعد أن ردّد الأهزوجة الشهيرة عن “إحراق نصف إسرائيل” وليس لأنه استخدم “الكيماوي المزدوج ضد أكراد العراق وارتكب فيهم مجزرة مخزية، أو لأنه قتل مئات الألوف من العراقيين أو لأنه اجتاح الكويت! أو لأي سبب آخر!.
طبعاً قصّة المقارنة هنا تذهب في الشكل والمضمون الى أبعد من “مصير اسرائيل”. إذ إن بشار الأسد لم يهددها يوماً بالفناء! مثلما أنه لم يهدّدها فعلياً في أي شيء! بل كان على الدوام ملتزماً واحدة من أهم وظائفه، أي الحراسة الأمينة لحدودها مع سوريا.. برغم أن مساحة الجولان المحتل تفوق بنحو خمسين ضعفاً، مساحة مزارع شبعا. وسكانه والمتحدّرون منه يفوق عددهم النصف مليون سوري!.. لكن ما فعله في الغوطتين أعطى “عيّنة” عن طريقة عمله، وما قاله وزير اعلامه أعطى “عيّنة” اخرى عن طريقة تفكيره! وبالتالي فإنه إذا فعل ما فعله مع السوريين، فما الذي يمكن أن يفعله (ولو افتراضاً) مع غير السوريين؟!.
ومع ذلك، فإن حيثيات الحكم عليه لم تكتمل بالنسبة الى الأميركيين تحديداً والغربيين عموماً بسبب الغوطتين وتصريحات الزعبي، بل ان “الخطأ القاتل” الذي ارتكبه في ذلك القياس، هو انه وضع هؤلاء أمام معضلة سياسية كبيرة وفاضحة (قبل أن تكون أخلاقية أو إنسانية): إذا سكتوا اليوم عن استخدامه ذلك السلاح “المحرّم” فإنهم مضطرون الى أن يسكتوا غداً عن “الموضوع النووي الايراني”! لا يمكن النظر الى الأمرين بمقياسين مختلفين، إنما بمقياس واحد. وذلك يعني أن الردّ سيكون حتمياً، على الأسد مباشرة وعلى الإيرانيين بشكل غير مباشر. والرسالة واحدة: أسلحة الدمار الشامل خارج نطاق الحسابات التكتية ولعبة الربح والخسارة المألوفة. وقصة “المصالح الاستراتيجية” هنا توضع على الرف مهما كلّف الأمر.. وحرفياً “مهما كلّف الأمر”.
بهذا المعنى “اجتهد” الاسد وذهب بعيداً في اجتهاده! والاحراج الذي سبّبه لم يطل الغربيين فحسب بل حتى داعميه الروس والايرانيين. ولذلك “قرروا” هم قبله وغصباً عنه، ان المراقبين الدوليين سيذهبون الى الغوطتين للتحقق مما حصل. وكلامهم الواضح جاء قبل 48 ساعة من كلام عمران الزعبي عن “الرفض المطلق” لذلك الأمر انطلاقاً من “الشأن السيادي” الأثير!.
.. أما الحديث الايراني عن “الخطوط الحمر”، وتحذير الروس من ارتكاب الأميركيين “خطأ مأسويا” في سوريا، فذلك ترف إعلامي وسياسيّ كان وارداً.. قبل قصف الغوطتين وليس بعده!.