| الزج بالسلاح الكيماوي وتصدير الحرائق إلى لبنان محاولة لتجاوز دور العرب والغرب بالمنطقة إرباكات إضافية للواقع السياسي بإنتظار تطوّرات الأزمة السورية لرسالة الثانية التي أرسلها نظام الأسد داخل لبنان لا تقل أهمية عن الرسالة الأولى بأن يد النظام وأدواته قادرون على إشعال لبنان وغيره |
حدثان كبيران شهدتهما الساحة المحلية والسورية الأسبوع الماضي، أرخيا بظلال سلبية إضافية على المشهد السياسي الداخلي المثقل أساساً بتداعيات الأزمة السورية وتعقيداتها ومؤثراتها، الأول لجوء نظام بشار الأسد لاستعمال السلاح الكيميائي ضد الثوار السوريين وشعبه في محاولة مكشوفة لتجاوز كل المحاذير الدولية بهذا الخصوص لا سيما من الولايات المتحدة الأميركية وسعياً لأخذ المبادرة من جديد ومنع تحقيق أي تقدّم للثوار باتجاه العاصمة دمشق المعقل الأساسي لنظام الأسد ومعاونيه.
أما الحدث الآخر الموازي للحدث الأول فتمثّل بالتفجيرين الإرهابيين اللذين استهدفا مدينة طرابلس هذه المرة، باعتبارها مركز الثقل في دعم الثورة السورية سياسياً منذ انطلاقتها بالرغم من كل محاولات إطفاء هذا الدعم بالتوتير الأمني المتواصل بواسطة جماعات النظام في جبل محسن أو من خلال زمر «سرايا المقاومة» المزروعة من قبل «حزب الله» داخل بعض مناطق الثقل السنّي في المدينة.
في رأي العديد من المراقبين الديبلوماسيين وتحديداً الغربيّين منهم في بيروت، أن هناك ترابطاً واضحاً بين الحدثين اللذين يمثلان تحولاً بارزاً في مسار تطورات الأزمة السورية المستمرة منذ أكثر من سنتين وتداعياتها، ليس على لبنان فقط وإنما على المنطقة ككل، بعدما تحولت هذه الأزمة من ثورة الشعب السوري ضد النظام المستبد والقاتل، إلى صراع إقليمي مكشوف بين العرب والإيرانيين بعدما زجّت إيران بكل ثقلها المادي والنفطي والعسكري لمنع سقوط نظام الأسد من خلال تزويده بكل ما يحتاجه من أموال ومساعدات نفطية وعسكرية وأسلحة وذخائر وخبراء عسكريين والإيعاز لحزب الله للانغماس بكل قوته البشرية والعسكرية أيضاً للقتال إلى جانبه والسعي قدر الإمكان لإعادة العافية العسكرية لقواه المتلاشية، ومنع سقوطه بشتى الوسائل، لأن طهران تعرف حق المعرفة أن هناك خطراً وشيكاً يهدد مشروع تمددها وسيطرها الإقليمية على العالم العربي في حال سقط نظام الأسد، وبالتالي فإن هذا يعني إندثار كل ما وظفته من إمكانيات مادية وعسكرية طوال العقود الثلاثة الماضية، وسيطال ذلك مناطق نفوذ أخرى وخصوصاً في لبنان في وقت لاحق.
واستناداً إلى معلومات هؤلاء المراقبين، فإن الهجوم بالأسلحة الكيميائية الذي شنّه نظام الأسد ضد الشعب والثوار السوريين في مناطق الغوطة كان منسقاً على أعلى المستويات مع الخبراء الإيرانيين الممسكين بزمام معظم العمليات العسكرية في سوريا حالياً، وبإيحاء من طهران، في رسالة واضحة لكل خصوم إيران ونظام الأسد من العرب وتحديداً المملكة العربية السعودية ودول الخليج التي دعمت النظام الجديد في مصر من جهة وللغرب عموماً والولايات المتحدة الأميركية خصوصاً، بأن موازين القوى العسكرية لا تزال لصالح محور طهران الأسد، برغم كل الدعم المادي والسياسي والعسكري للثوار السوريين، وبالإمكان استعمال الأسلحة الكيميائية وغيرها للدفاع عن نظام الأسد، مستفيدين من الموقف المتردد لإدارة الرئيس الاميركي باراك أوباما قدر الإمكان، والدعم الروسي اللامتناهي للنظام السوري ضد الثوار.
وفي الوقت نفسه، كانت الرسالة الثانية التي ارسلها نظام الأسد داخل لبنان هذه المرة والتي لا تقل أهمية عن الرسالة الأولى، ومفادها أن اي جهد أو محاولة لإسقاط النظام السوري سيكون ثمنها باهظاً، ولن ينجو جوار سوريا من التداعيات الخطيرة والمدمرة، والدليل ان يد النظام وأدواته «ليس المهم التسمية لأنهم كثر» قادرون على إشعال لبنان وغيره كما عبر عن ذلك اكثر من مرّة رأس النظام بنفسه، وبالامس وزير اعلامه الحالي رداً على الأخبار المتتالية عن استعدادات أميركية وغربية للقيام بعمل عسكري محدود ضد نظام البعث لمعاقبته على استعمال السلاح الكيميائي مؤخراً.
ويشير هؤلاء المراقبون الى ان هذين الحدثين الكبيرين وحجم الخسائر البشرية والضحايا التي سقطت جرائهما، إن كان في سوريا أو لبنان، شكلا عامل اختبار لردة فعل الإدارة الأميركية، خصوصاً كونها الدولة الأقوى والأكثر تأثيراً في العالم، خصوصاً بعدما ظهرت مؤشرات وهن وتجاوز لهذا الدور من خلال المواقف المتغيرة والمترددة التي اتخذتها واشنطن بعد الاطاحة بنظام الاخوان المسلمين في مصر، ولم تستطع ان تظهر تأثيراً ملموساً في مجريات ما حصل وأصبح موقفها المتخبط في التعاطي مع ما يجري، إن كان في سوريا او مصر أو المنطقة عموماً، مثالاً للموقف العاجز والضعيف على حدّ سواء.
وفي اعتقاد هؤلاء المراقبين فان اندفاع الأمور على هذا النحو، إن كان في لبنان بعد موجة التفجيرات الأخيرة التي استهدفت الضاحية الجنوبية من بيروت وطرابلس، أو في التطورات الدموية لاستعمال السلاح الكيماوي من قبل نظام الأسد في سوريا ضد شعبه، لن يؤديا إلى حلحلة في الواقع السياسي المتأزم داخلياً بالرغم من كل المواقف السياسية المتهيبة لمؤثرات امتداد الحريق السوري إلى داخل لبنان، بل إنها تزيد من عبء الانقسام الحاصل وترخي بتداعيات سلبية إضافية على الواقع السياسي، بفعل استمرار انغماس «حزب الله» بالقتال في سوريا وعدم استعداده أو قدرته على الانسحاب من هناك، ولا سيما أن الصراع الدائر هناك يتطور يوماً بعد يوم الى صراع إقليمي ودولي بعد ردود الفعل الدولية الآيلة للقيام بضربة عسكرية أميركية غربية ضد مراكز قوة نظام الأسد العسكرية لمعاقبته على استعمال الأسلحة الكيميائية ولرد الاعتبار لصدقية وقوة الدور الأميركي في المنطقة والعالم بالأساس بعد كل ما قيل عن تحلل وانحسار هذا الدور. ولذلك، فان تسارع التطورات الجارية إقليمياً ودولياً اصبح يتجاوز الواقع الداخلي اللبناني برمته وأكبر منه بكثير، وقد يبقى الوضع السياسي في دائرة المراوحة والانحدار السلبي التدريجي على كل نواحي الحياة، ريثما تنجلي غبار المواجهة الدائرة في المنطقة، أكانت سياسية أم تحولت الى عسكرية حسب المؤشرات الأخيرة.