#adsense

لا “يضحك” أحد بعد اليوم

حجم الخط

لا شماتة في الارهاب. ولا إطلاق نار ابتهاجا بعمل ارهابي. ولا توزيع حلوى اثر اغتيال أحدهم. إنه المصير الواحد. خلاصة الارهاب، قتلى، ومصابون، ومشوهون، وآثار لا تندمل إن في الأجساد أم في الارواح… وبالتأكيد في الوطن.

ما أن تقع الواقعة حتى تتوالى بيانات الاستنكار والادانة، سريعة، معبرة، متضامنة. بيانات جاهزة لا حياة فيها، كلمات متشابهة، لا ترقى الى مستوى آلام الناس. كلام بكلام. لا تتبعه خطوات جدية لتفادي المزيد.

لا أفهم هذا السيل من البيانات والتصريحات والبرامج التلفزيونية التي غالبا ما تضيف كلاما لا معنى له. اتهامات بالجملة من أناس لا يعلمون شيئا، إنما يعبرون عن أحقاد دفينة. لم تعد نشرات الاخبار إخبارية بقدر ما هي “هايد بارك كل مين إيدو إلو”. عدد من مسؤولي الأحياء وقادة المحاور صاروا نجوما يتنقلون من محطة الى أخرى. ربما دفعوا مالا ثمن إطلالاتهم. المال يتلاعب بالمهنية أحيانا، ويبيح المحظورات في إثارة الفتن والتحريض المذهبي.

ما نشاهده من تفجيرات متنقلة، والخوف الذي بدأ يضرب اللبنانيين، والقلق الذي ينتابهم، والأخبار – التوقعات عن المزيد من السيارات المفخخة، وعن عشرات، أو مئات الارهابيين الذين يعدّون العدة لنقل المعارك من سوريا، والآخرين الذين قد يهربون عبر الحدود الى لبنان اذا ما اشتد عليهم الخناق، كلها أمور تجعل الضحك سخافة، وبلاهة. إذ كيف يضحك اللبناني لمصيره الاسود، وكيف يشمت بمواطنه اذا تعرض لإرهاب متنقل سيصيبه حتما في بلد لم تنجح مخططات تقسيمه كانتونات، بفعل صغر مساحته، وارتباط مناطقه، وتوزع طوائفه، وعائلاته، وتداخل اقتصاده؟

في بلد كهذا من يجرؤ على الضحك شماتة بالآخر؟ والمصيبة أن ثمة من يجرؤ على التلاعب بمصيرنا، وأخذ البلد كله الى حروب ومعارك ووحول لا دخل لنا بها. ثمة من يدخلنا في حروب الآخرين. وثمة من لا يتوانى عن طلب مساعدة خارجية ظنا منه انه يدعم جماعته في الداخل. وبين هذا وذاك، استجلاب لنزاع خارجي، ونقل معارك هذا الخارج وصراعاته وحقده ومذهبيته، والحروب الباردة الدولية ايضا، الى داخل ملَّ وتعب، وما عاد يحتمل العودة الى زمن الحرب.

لا أريد أن أدخل في قراءة متفلسفة لأوضاع المنطقة، والكلام عن امكان التواصل السعودي – الايراني، وغير ذلك من أمور لا ناقة لنا بها ولا جمل، ولن أتوقع تغييرات في المسار السوري بعد السلاح الكيميائي، ينعكس علينا، سلبا أو إيجابا لا أعلم. فكل ما أريده، ويريده اللبنانيون، أن يعيشوا في الحد الأدنى من الامن، وأن يتواضع الأفرقاء السياسيون، فيصمتوا عن ترداد العبارات الآثمة، المحرضة، القاتلة، ويتنازلوا بالحد الادنى لحفظ أمن ناسهم، ولحفظ رؤوسهم، ولتجنيب البلاد حربا جديدة، لا تترك مجالا لأي كان أن يضحك. يقول المثل الشعبي “يضحك كثيرا من يضحك أخيرا”. في مسلسل القتل المستمر لن يبقى من يضحك، والصامد مصادفة، ستتآكله الأوجاع والاحزان، ولن يقوى على الضحك.

المصدر:
النهار

خبر عاجل