كيف السبيل الى إخراج لبنان من نار الفتنة التي امتدت اليه، وتشكيل حكومة تكون قادرة على إخماد هذه النار، حتى وإن كان ثمة قرار خارجي بتدمير لبنان كسائر دول المنطقة والذهاب به الى الهاوية كما يعتقد الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله؟
ثمة من يقول ان تدخل “حزب الله” عسكريا في سوريا لمساندة النظام وتمكين المحور الإيراني من الانتصار على المحور الأميركي ومن معه، هو الذي ادخل نار الحرب الى لبنان وصوّر الرد على هذا التدخل بأنه ردود فعل متبادلة بين الشيعة المؤيدين للمحور الإيراني والسنة المناهضين له. واذا لم يكن كذلك، فليقرر “حزب الله” سحب مقاتليه من سوريا لكشف الحقيقة، فإذا توقفت اعمال العنف في لبنان بعد سحبهم يكون ذلك هو سبب القيام بهذه الاعمال، واذا لم تتوقف يصح القول عندئذ انه قرار خارجي لتدمير لبنان مع غيره من دول المنطقة من اجل اقامة شرق اوسط جديد يغير وجهه الحالي. فهل يقدم “حزب الله” رحمة بلبنان، على هذه الخطوة ولا يظل متهما بأنه هو سبب إدخال اعمال العنف اليه وتدميره؟
ويذكّر اصحاب هذا الرأي بحرب تموز 2006 التي ما كانت لتقع لو لم يخطف “حزب الله” جنديين اسرائيليين، ولم يقتنع كثيرون بقول الحزب في حينه ان اسرائيل كانت تتهيأ لهذه الحرب ولا تحتاج الى ذريعة، وظلوا مقتنعين بأن تلك الحرب ما كانت لتقع، وفي ذاك الوقت بالذات، لو لم يخطف الحزب الجنديين، ولما كان امينه العام قال بعد وقوعها وإلحاقها بلبنان خسائر بشرية ومادية جسيمة: “لو كنت أعلم…”.
المطلوب إذاً من “حزب الله” سحب مقاتليه من سوريا، فإذا اخرج ذلك لبنان من آتون النار، واستقر الوضع فيه، تكون مشاركته في الحرب السورية هي السبب، واذا لم يغير سحب هؤلاء المقاتلين شيئا من الوضع في لبنان وبقي هدفا لاعمال العنف، فإن الحزب يكون قد قام بما عليه حيال الشعب اللبناني الذي يرى بغالبيته ان تدخله المباشر في الحرب السورية هو الذي جر على لبنان ذيول الفتنة وسبب له الويلات والدمار والخراب، وعندها يصح الاعتقاد ان قرارا خارجيا متخذا بتدمير لبنان ودول اخرى في المنطقة خدمة لاسرائيل ولمشروع تفكيك دول فيها تمهيدا لتقسيمها واقامة دويلات طائفية وعرقية فيها تغير وجه المنطقة وتصبح اسرائيل هي الدولة الاقوى عسكريا واقتصاديا فيها.
ولكي يثبت “حزب الله” ان ليس تدخله عسكريا في سوريا هو الذي جاء بدب الفتنة الى لبنان، انما ما جاء به هو قرار خارجي سواء كان دوليا او اقليميا، فما عليه سوى ان يتخذ القرار الوطني الجريء بسحب مقاتليه من سوريا ليبرئ ذمته حيال الشعب اللبناني الغاضب على كل من يحمّله وزر حرب جديدة لأنه لم يعد قادرا على حمله ولا على تحملها.
هل يقدم الامين العام لـ”حزب الله” على اتخاذ هذا القرار انقاذا للبنان، فيكون له الفضل في انقاذه، ويسهل تشكيل حكومة وحدة وطنية تعطي الغطاء السياسي للقوات المسلحة لتقوم بدورها من دون عوائق ومداخلات، وتبسط شبكة امان فوق لبنان بكل قطاعاته بحيث لا يستطيع اي قرار اقليمي او دولي خرقه، فالشعب عندما يكون صفا واحدا وقلبا واحدا لا يستطيع احد خرقه، اما عندما يكون متفرقا ومشرذما فإن الاعداء يكثرون في الداخل وفي الخارج؟
اما اذا لم يستطع “حزب الله” الاقدام على هذه الخطوة لأن القرار ليس قراره انما لإيران، او لانه لا يعتبر ان مشاركته في الحرب السورية هي سبب امتداد نار الفتنة اليه انما السبب هو قرار خارجي، فإن الحزب سيظل يتحمل في نظر غالبية اللبنانيين مسؤولية اشعال نار الفتنة في لبنان لأنه لم يسحب مقاتليه من سوريا، كما ظل يحمّله مسؤولية اشعال حرب تموز مع اسرائيل لأنه كان البادئ بها عندما اقدم على خطف جنديين اسرائيليين، وهذه الغالبية ليست مقتنعة بالقول ان قرارا خارجيا متخذا بتدمير لبنان شأنه شأن دول عديدة في المنطقة تنفيذا لمخطط اميركي – صهيوني، لأن كل المعلومات تؤكد ان الدول الكبرى هي مع امن لبنان واستقراره وتؤيد سياسة النأي بالنفس عما يجري حوله، وقد ابدت علنا حياده من خلال تأييدها “اعلان بعبدا” ليكون لبنان في المنطقة كما سويسرا في اوروبا.
لذلك لا خروج من نار الفتنة التي دخلت الى لبنان الا بقرار جريء وتاريخي يصدر عن “حزب الله” بسحب مقاتليه من سوريا، حتى اذا ما ظلت هذه النار مشتعلة، يكون القرار عندئذ قرارا خارجيا ويكون الحزب قد برأ ذمته حيال الشعب ولا يظل متهما بأنه هو السبب وعندما يصبح اللبنانيون شعبا واحدا موحدا فإنهم يستطيعون مواجهة اي قرار خارجي والتصدي له، فالعدو داخل البيت اقوى من مئة عدو خارجه.
واذا كان قرار “حزب الله” يحتاج الى سعي لبنان وسعي اشقاء واصدقاء له لدى ايران تسهيلا لصدوره، فليتم الاتفاق على ذلك بين القيادات اللبنانية في هيئة الحوار الوطني.
والخلاصة ان من يخرج لبنان من نار الفتنة هو “حزب الله” ومعه يكون التعاون الواسع للتصدي لأي جهة خارجية تريد اذكاء نارها، وعندها لا يعود خلاف حتى على معادلة “الجيش والشعب والمقاومة”، لأنها تكون معادلة في خدمة لبنان من شر الداخل والخارج وليس خدمة لسواه وخصوصا لاسرائيل المستفيدة مما يجري في المنطقة ومن لبنان ايا تكن هوية من يفجر ويغتال.