#adsense

“الجمهورية”: لماذا يحكُم مجلس الدفاع لبنان… وكيف؟

حجم الخط

كتب جورج شاهين في صحيفة “الجمهورية”:

تُجمع الأوساط العليمة بخفايا الأمور على اعتبار أنّ دخول السلاح الكيماوي في الحرب السورية إنذار أوّل جدّي لمستقبل الوضع في سوريا، إذا استمرّت المواجهة بلا ضوابط أمنية إقليمية ودولية. ولذلك لا يرى لبنان باباً للمعالجة والمواجهة سوى عبر المجلس الأعلى للدفاع الذي يكثّف اجتماعاته بنحو غير مسبوق بديلاً من كلّ المؤسّسات ليظهر أنّه المؤسسة الحاكمة، لماذا؟ وكيف؟أيّاً تكن الجهة التي استخدمت الأسلحة الكيماوية في الغوطة الشرقية لدمشق، النظام أم المعارضة سيّان، فثمّة من يرى أنّ التزامن القائم بين استخدام هذا السلاح الفتّاك ووجود الفريق الدولي المكلّف التحقيق في هذا الإستخدام في دمشق، أسوأ إشارة إلى أنّ الأمور أفلتت من المعايير الإقليمية والدولية التي كانت تؤكّد أنّ هذا السلاح مضبوط بمظلة وكفالة روسية كبيرة، وأخرى في ضوء تعهّدات قطعها النظام السوري أمام حلفائه الروس والصينيين والإيرانيين قبل الآخرين من الأقطاب الدوليين طالما إنّ سوريا لم تتعرّض لأيّ اعتداء خارجي، في وقت لم يثبت بعد أنّ المعارضة السورية تمتلك هذا السلاح، على رغم الحديث عن استخدامه في منطقة خان العسل شمال سوريا، ما لم يثبت بعد رغم الاتّهامات التي كالتها عواصم غربية داعمة للمعارضة.

وإلى هذه الضوابط السياسية، يخشى اللبنانيون ومعهم العالم أجمع من سقوط الضوابط الأخلاقية والإنسانية التي تمنع هذه الأسلحة المحرّمة، ما سيؤدّي إلى ما لا تحمد عقباه، خصوصاً في مرحلةٍ هي الأخطر من فصول الأزمة السورية المتشعّبة إقليمياً ودولياً، عدا عن التعقيدات التي تعزّز الإنقسام الداخلي على خلفية السعي إلى التوازن بين طرفي النزاع، ما يستلزم دخول مزيدٍ من الأسلحة الى سوريا بمئات الأطنان، سواءٌ تلك التي يتزوّدها النظام أو المعارضة.

وعلى هذه الخلفيات تتزايد المخاوف اللبنانية من التداعيات السورية، ليس بسبب الخوف من تكرار تجربة الأسلحة الكيماوية في منطقة أخرى، بل بسبب التداعيات المنتظرة في حال تسديد أيّ ضربة عسكرية غربية لسوريا، لأنّ لبنان لن يكون في منأى عنها أمنيّاً وإجتماعياً.

فالمناطق المرشّحة للإستهداف العسكري الغربي تحاذي الأراضي اللبنانية والأردنية، لكنّها في ظلّ التدابير الأردنية المُتخذة تشكّل امتداداً بشرياً وسكّانياً للبنان، الأمر الذي سيفاقم نزوح عشرات الآلاف من السوريين الى لبنان ما لم يُتح لهم الإنتقال الى الأردن أو العراق، عدا عن التداعيات المنتظرة من الإنقسام الداخلي اللبناني الذي بلغ الذروة من جرّاء التفجيرات المتنقلة بين المناطق انعكاساً لما يجري في سوريا وليس لسبب لبنانيّ آخر.

ومن هنا تأتي الإجتماعات المتلاحقة للمجلس الأعلى للدفاع لسَدّ فراغ كبير على مستوى أداء المؤسسات الدستورية والسياسية والإدارية، فالحكومة التي تشكّل السلطة التنفيذية مستقيلة منذ 23 آذار الماضي وتصرّف الحدّ الأدنى من المهمّات الوزراية، ما خلا بعض المخالفات التي ينتهجها بعض الوزراء لمصالح آنية وذاتية وفي ملفّات محدودة تضمن بعض المصالح الضيّقة، والرئيس المكلّف تشكيل الحكومة تمّام سلام لم يقدّم حتى الآن أيّ تشكيلة وزارية، ومجلس النواب الذي يمثل السلطة التشريعية لا يجتمع، فعلى رغم كلّ التطورات المخيفة وانعكاساتها المحتملة على لبنان لم ينجح رئيس المجلس في تأمين النصاب القانوني لجلسة مناقشة عامة ولا لجلسة تشريعية لمقاربة كثير من الملفات الأساسية الكبرى، ولولا الفتوى القانونية التي طُبخت لما عبَر التمديد سنتين لقائد الجيش ورئيس الأركان ولكانت المؤسّسة العسكرية قد دخلت الفراغ المخيف والمميت في آن، خصوصاً لو لم تتلافَ المعالجات الطارئة الوصول الى مرحلة فقدان قيادة طبيعية لها، على الأقل، في وقت بات المجلس العسكري بتركيبة لا يمكنها تحمّل أيّ نقص إضافيّ في أعضائه. فأعضاؤه الحاليّون يشكّلون النصاب القانوني بالحد الأدنى لإدارة شؤون المؤسّسة العسكرية ولو لم يمنح قائد الجيش صلاحيات إستثنائية إضافية، عدا عمّا يحظى به من ثقة لبنانية قلَّ نظيرها وفّرت الإجماع على خرق الدستور والقوانين المرعيّة الإجراء، لما بقي الوضع ممسوكاً على مستوى المؤسّسة العسكرية التي تحوّلت الضمان الوحيد للسلم الأهلي في البلاد من دون الإنتقاص من دور وأهمّية بقية الأجهزة والأسلاك الأمنية الأخرى.

وعليه، لا يمكن طرح مزيد من الأسئلة حول الأسباب التي تدفع رئيس الجمهورية الى دعوة المجلس الأعلى للدفاع الى الإنعقاد في كلّ محطة خطيرة تمر بها البلاد، ولذلك بات المجلس الأعلى المؤسسة الوحيدة التي ما زال رئيس الجمهورية قادراً على تأمين انعقادها للبحث في القضايا الطارئة التي تهدّد وحدة البلاد والأمن والسلم الوطنيين.

وفي ضوء كلّ هذه المعطيات، يبدو واضحاً أنّ مجلس الدفاع تحوّل السلطة الحاكمة في البلاد ليس لسبب، إلّا ليكون بديلاً من السلطات الأخرى المشلولة والمُنحلّة، على أمل عودة بقيّة المؤسسات إلى أدوارها، فتنتفي الحاجة إليه، وإلّا سيكون قريباً في انعقاد دائم لإدارة البلاد وشؤون العباد.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل