قد تكون طرابلس بعيدة عن الأشرفية مثلاً. لكن مخاوف أبناء الأشرفية وطرابلس متقاربة. وقد “يدقّ الخطر عَ البواب” في أي وقت، في أي منطقة مسيحية، من المتن الى بعبدا. وقد يقول قائل بأن المسيحيين مرتاحون وبعيدون كل البعد عن الفتنة التي تحاك للإيقاع بين السنة والشيعة. لكن جولة سريعة في الشارع المسيحي تكفي للاستنتاج بأن الخوف وحّد اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، خصوصاً وأن المناطق ما عادت مطبوعة بلون واحد كما كانت في السابق.
تبدّل اللبنانيون فتغيّر نبض الشارع، من حركة السير الى المواقف، الى عدد المستهلكين. فالقدرة الشرائية لم تعد محصورة بالمستوى المعيشي أو بالراتب المحدود، إنما أيضاً بخطورة ارتياد الأسواق والمجمّعات التجارية. وإن كان لا بدّ من ذكر ناحية إيجابية واحدة، وسط سواد الأجواء والقلوب، فإن سرعة المواصلات وحدها التي “تفشّ خلق” المواطن.. 15 دقيقة فقط تستغرق الرحلة من عين الرمانة مثلاً الى سوق البوشرية، هناك حيث دمّر تفجير سابق أحد الأبنية في أول السوق. ويتفنّن اللبناني في تفسير التفجير، ويستبق الأمور بالتكهّن لمكان وقوعه والتوقيت، لكنه يعود ليقاطع نفسه قائلاً: “الله وحدو بيعرف”. صحيح. فمن كان يعرف بأن الحقد والبغض قد يحملان إنساناً على زرع متفجرات على بعد أمتار من جامعين في طرابلس ليقتل مؤمنين ومصلّين، اختاروا درب الله بالتقوى، بينما آخرون اختاروا طريق القتل والدمار والخراب والفتن.
ولا ينكر المسيحيون بأن خوفهم تضاعف بعد استهداف المساجد، لأن هناك من “بشّر” بتفجيرات في المساجد والكنائس، وهناك أيضاً من رفض حصر التفجيرات بمنطقة معيّنة وهدّد بأنها ستتمدّد الى مناطق أخرى. في كل الأحوال، فإن استهداف المسلم في لبنان هو استهداف للمسيحي منذ أن قررا أن يتشاركا الحيّ ذاته والمبنى نفسه، ومنذ أن اتّحد الصليب مع الهلال وحمل المواطنون الإنجيل الى جانب القرآن. حال المسيحيين في هذا البلد من حال مسلميه، ومصيرهما واحد ومشترك. الخوف يسيطر… لكن المغامرة ليست مرجلة والمخاطرة لا تجعل من المواطن “قبضاي”…
فمنذ تفجيري طرابلس، توالت الأحداث وتواترت الأخبار عن سيارات محتمل أن تكون مفخخة، وجاءت النتائج مختلفة بحسب ما يصدر عن السلطات المختصة. وأن يعرف اللبنانيون بأن السيارة خالية من أي مواد متفجّرة، فهذا لا يطمئنهم ولا يعيد إليهم حياتهم الطبيعية ولا يبعد عنهم الخوف والفزع اللذين بلغا حدّ الهوس! “الله يبعد عنا ولاد الحرام” يرددون, ويعقّبون “فترة وبتمرق”. لكن ما أثار خوف أبناء عين الرمانة تحديداً هي السيارة التي وجدت قرب ثكنة قاصارجيان وفي داخلها إيرانيان بحوزتهما خرائط، فألقي القبض على أحدهما من دون أن يعرف القاطنون هناك شيئاً عن مصير الثاني، كما لم يعرفوا ما آلت إليه التحقيقات مع الأول، وعمّا كانا ينويان فعله.
ويحلل شربل الموقف قائلاً: “إن كانت السيارة وُجدت قرب ثكنة صربا مفخخة كما تمّ التوضيح، فلا بدّ من أن هناك العديد من السيارات التي أعدّت لتفجيرها قرب الثكنات، خصوصاً وأن السلطات المعنية ضبطت منذ أشهر سيارة قرب مركز الدفاع المدني الى جانب مركز للجيش”. وتقول جارته نوال بأن “أخباراً أشيعت منذ فترة بأن سيارات عدة كانت مركونة الى جانب مدرسة الحكمة، ونحن نطلب من القوى الأمنية المعنية أن تؤكد الأخبار أو تنفيها رسمياً وليس عبر الإعلام، حتى نعرف مستوى الخطر الذي بلغناه”.
وفي فرن الشباك، لا يختلف الوضع، لا بل إن القصة تزداد تعقيداً، فهي مزيج من المشاكل الأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي اجتمعت كلّها فمنعت المواطنين من زيارة السوق فتراجعت نسبة المبيعات. أولغا قصدت فرن الشباك آتية من منطقة عين الرمانة. وتقول عن غرض زيارتها للسوق بأنها ما كانت لتخرج من المنزل لولا أنها كانت على موعد مع مدير إحدى الشركات في السوق لأنها تبحث عن عمل. وتشرح قائلة: “رفضت كل فرص العمل التي وجدتها لأنها بعيدة عن منزلي ومنها فرصة لا تعوّض في إحدى الشركات في مطار بيروت، وأنا أحسب حساباً للهروب في حال وقع أي خطر”. وتعلّق ممازحة: “في هذه الظروف، أتجنّب أن أقصد الدكان قرب منزلي. لا أحد يعرف موعد التفجيرات ولا إذا كان الهدف من السيارات التي عاينتها السلطات زرع التفجيرات أم أنها فقط لإلهاء الناس عن مناطق ثم تفجير أهداف أخرى”.
من فرن الشباك الى منطقة الأشرفية التي حضنت اللواء الشهيد وسام الحسن وعدداً من أبنائها. الزحمة هي هي حتى تكاد في بعض الأحيان تطغى على الخوف لأسباب عدة منها بأنه سيكون من الغباء استهداف المنطقة نفسها مرتين، لكن هذه الفرضية تنفيها ريتا التي تقطن منذ سنوات قرب مستشفى أوتيل ديو قائلة: “لا يمكننا استبعاد أي فرضية خصوصاً وأن الأشرفية هي نقطة وصل بين مناطق عدة وفيها أحد أهم مراكز قوى الأمن الداخلي في بيروت، لكننا نعتمد على المسؤولين الذي يحترمون مواقعهم ولا يسمحون لأنفسهم بتهديد الآمنين والمؤمنين”.
ويغوص شارلي، من جهته، في تفاصيل الحبكة حتى ليحسب المستمع بأنه يجالس تحرّياً أو مخبراً! يقول: “منذ العام 2005 اعتدت على مراقبة الداخلين والخارجين الى الحيّ حيث أسكن وحيث أعمل أيضاً، وهو جزء من عملي اليومي. وهذا ما يقوم به غالبية شباب الأشرفية في غياب الدولة. يكفي أن مراقبة الوجوه والسيارات تبقيني على قيد الحياة لأن هناك من يريد وضع حدّ لحياتنا بعبوة مليئة بالحقد”. ولا ينكر شارلي بأن هناك أماكن عدة يتجنّبها اليوم أبناء الأشرفية كأحد المجمّعات التجارية في المنطقة، وساحة ساسين والجمّيزة”. ويتابع: “وحده الله يحمينا ونحن لا نطلب من الدولة سوى أن تكون قوية وقادرة على بسط سلطتها ونرفض الأمن الذاتي.. لكن من يحمينا؟!”.
من الأشرفية الى منطقة السبتية في المتن حيث تقام مهرجانات بعلبك، وتقفل المداخل والمخارج المؤدية الى مستشفى بيطار، فالمدارس باتت تستخدم مواقف سيارات. وعلى الرغم من أن قوى الأمن منتشرة وهناك من يفتّش السيارات ويتفحّصها، إلا أن أبناء المنطقة متخوّفون من أن يركن أحدهم سيارة مفخخة وسط المنازل من دون أن يتنبّه أحد. وتقول ماري بأنها كانت في زيارة لأحد المجمّعات التجارية في الضبيه منذ أيام، حين لاحظت أن الكل يهرع الى مكان الخروج، وحين سألت قيل لها بأن القوى الأمنية تعاين سيارة مفخخة في الخارج، ولم يصدر أي توضيح في هذا الخصوص عن القوى الأمنية”.
ويقول إيلي بأن “أكثر ما يثير الخوف في المنطقة قربها من منطقة الفنار وما يعرف فيها بالزعيترية”. وقال بأنه يتجنّب “تلك المنطقة بالإضافة الى زحلة”. ويشعر بأنه مأسور لأنه اعتاد أن يزور في كل نهاية أسبوع منطقة في لبنان مع زوجته ستيفاني. ويضيف: “الحيّ حيث نسكن يحافظ على حركته الطبيعية، وألاحظ بأن كثراً باتوا يلازمون المنزل حتى لم نعد نجد مكاناً لركن السيارة على الرغم من أنه فصل الصيف!”.