هل يحترق الابطال اذا حُرقت صورتهم؟ هي في النهاية صورة، اعلان، يافطة من ورق للتذكير بمسيرة أبطال كنا ونبقى، أحرقوها هناك على اوتوستراد شكا. لا تحتاج البطولة أساسا للاعلان عنها، انما قد تحتاج من وقت لاخر لانعاش ذاكرة ميتة، أو قررت أن تموت في مكان لتحيا في غير أمكنة وتحيي غير ذاكرة.
تعرفون اللعبة في لبنان، كل شيء انتقائي وخصوصاً خصوصاً الذاكرة والتاريخ. لم تتحمل ذاكرة هؤلاء مجرّد اعلان، اعلان عن بطولة لم تمت يوماً، لم تنكسر رغم كل الانكسارات، بطولة ناس آمنوا ناضلوا استشهدوا وعاشوا ليبقى عبق التراب عند أول مطرة، وأول لفحة شمس في أخضر السهل والجبل، وأول طلّة قمر في ليالي الناس.
هي البطولة من أجل الحياة، لا يحتمل معتنقو الظلام من يواجههم دائماً بعقيدة الضوء فيحرقون كل الاشارات. شهداء المقاومة اللبنانية احلا الاشارات الى حب الارض والحياة فلنحرقها اذن ولنمعن في الاسود علّه يطمس فيهم، فينا، معالم الابيض.
سخفاء مساكين. لا شك هم كذلك. أكثر من ذلك، هم يخافون من حقيقة ناصعة الى حدّ النقاء، كيف يواجهون شهداء؟ كيف يجابهون أجيالاً وأجيالاً نذرت الحياة فيها لترفع صور هؤلاء، وتمشي درب الحبّ اياه؟ لا بشعلة الكبريت ولا بشعلة البنزين ولا بسيارة مفخخة ولا تفجيرات العالم تمكنت حتى الآن من قتل الأمل، فهل بصورة اعلان محروق لم يحترق فيه الا من أشعله، سيتمكن هؤلاء من اختراق زمن النور؟!
نحن لا نسكن الصورة مهما كثرت اطارات الاحباء المزنّرة بشريط الحداد، نحن لا نعيش في السكون ولا في قبور الجماد، نحن وفي نعش الشهادة جعلنا من الحياة احلا حكاية نرويها للمتعطشين للامل.
أحرقوا هناك صورة، قد يحرقون بعد آلاف الصور في غير أمكنة، من يقف عند مفترق اعلان تقف به الايام في زاروب العتمة، لهم كل تلك الزواريب لا نبالي، صرنا أبعد بكثير من الوقت والمكان رغم كل العتمة والانكسارات والخيبات. لو يعرف من أحرق الصورة اننا خارج الجماد ولن نكون يوماً فيه لربما ما فعل فعلته، لكن غريزة القهر سبقته، او الاصح لانه يدرك تماماً اننا لم نسكن يوما صورة فأحرق صورته هو في اعلان يمثلنا.
هو الجماد، هو الصورة الباهتة عن وطن يسحقه الموت ويتشّح بسواد الخيبة. صورة لا تقارَن مع نقيضها، نحن، فكان لا بد له أن يحرق موته بيديه قبل أن تحرقه أيام الضوء الاتية لا محال. هذه عقيدتنا يا شبّ، وأحسن الحلول لك التحق بالضوء والا لن تخرج عمرا من رماد الصورة…
