تشبِّه أوساط أميركية مطّلعة قرار استخدام السلاح الكيماوي بشكل واسع، بجريمة إغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري، حين أخطأ صاحب القرار في تقدير عواقبه، ما أدّى الى انسحاب الجيش السوري من لبنان.
وترى هذه الأوساط، أنّ التقديرات الخاطئة للقيادة السياسية لدمشق وحلفائها، لتداعيات استعمال السلاح الكيماوي قد تقود الى “إخراج” النظام من سوريا!
يذكّر شريط الأحداث اليومية للمشاورات السياسية والعسكرية في واشنطن، بالأجواء التي سبقت التدخّل الأميركي والغربي، سواء في كوسوفو أو في العراق، او حتى قبيل صدور قرار إخراج سوريا من لبنان عام 2005.
فالبيت الأبيض أنجَز سلسلة إتصالات هاتفية ومباشرة مع قيادات الكونغرس الأميركي بمجلسيه الشيوخ والنواب، ومع رؤساء المنطقة والعالم وزعمائها. وذكر أحد كبار مستشاري الرئيس الأميركي باراك أوباما أنه سيُعلن خلال يوم أو يومين أمام الرأي العام الأميركي عن خطّة التدخّل في سوريا، في ما يشبه إعلان حرب الذي يصدره عادة الرئيس الأميركي.
وكان المتحدث بإسم البيت الأبيض قد أعلن أن أوباما يواصل مشاوراته مع الكونغرس والحلفاء في شأن طبيعة الردّ على استخدام “الكيماوي” في سوريا، مؤكداً أن من مصلحة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي الردّ على هذا الإنتهاك الواضح للقانون الدولي، معتبراً أن استخدام أسلحة محظورة “يطرح مسألة يجب التعامل معها في معزل عن الأزمة السورية”!
طرحت العبارة الأخيرة تساؤلات عدّة عن مغزاها، مع تسرّب العديد من المعلومات عن الاجتماعات العسكرية التي عقدت في البنتاغون، والخطط العسكرية الجاري بحثها، فضلاً عن شبه تأكيد بتشكيل غرفة عمليات دولية في الأردن لمواكبة التطوّرات الميدانية المتوقعة.
أغلب الظن أن توجيه ضربة عسكرية بات هو الخيار المرجّح، ضربة قد لا تكتفي ببضعة صواريخ او حتى غارات محدودة على مواقع محدّدة، أما التنفيذ فمسألة أيام!
شرحت قيادات الجيش الأميركي للبيت الأبيض أنواع الأخطار التي ستترتّب عن مثل هذه الضربة المحدودة، كذلك شدّدت قيادات الكونغرس على أن ضربة مماثلة لن تقدّم أو تؤخّر في منع تدهور الأوضاع في سوريا، مع تحوّل الفوضى فيها الى ما يشبه حال الصومال واليمن وأفغانستان و”الأنبار”.
لذلك، تُجمع المعلومات على أنّ نقاشاً استراتيجياً أجرته الإدارة الأميركية، ترافق مع وصول وفد إسرائيلي رفيع المستوى الى واشنطن لنقاش التداعيات الإستراتيجية المقبلة.
أهمية تلك النقاشات، بحسب المصادر الاميركية، تؤكد أن المنطقة تتّجه برُمّتها نحو ما يمكن وصفه بمرحلة “فكّها وإعادة تركيبها”، ليس بسبب ما تتعرّض له من “مؤامرات” خارجية، بل بفعل الإنفجار الداخلي الذي اندلع في مختلف أرجائها، مع تفجّر تناقضاتها السياسية والكيانية وتركيبتها الطائفية ومشكلة الأقليات فيها. وبات لزاماً أمام هذه اللوحة إعادة الإعتبار الى ضوابط سياسية وأمنية معينة، لمنع تحوّل المشكلات المندلعة في سوريا، الى مشكلات إقليمية ضخمة.
يُجيز قرار التدخّل العسكري المتوقّع إطلاق عملية عسكرية مديدة قد تستغرق عدّة شهور، الهدف منها ليس فقط توجيه ضربة الى نظام الأسد وحده، بل بدء التعامل جدّياً مع الجماعات الأصولية التي تمكّنت من تحويل مناطق عدة في سوريا الى ملاذات آمنة، الخطر الرئيس منها يقع عاجلاً أم آجلاً على إسرائيل!
في تقدير بعض الأوساط الأميركية أنّ التعارض الذي نشأ بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، يتمّ استيعابه، بعدما نجح الأمير بندر بن سلطان في الحصول على موافقة روسية صريحة بالنسبة الى مستقبل العلاقة مع كل الحركات الإسلامية، سواء كانت من الإخوان المسلمين او من غلاة الحركات الأصولية الأخرى.
وتوضح تلك الأوساط أنّ تشدّد المملكة في منع تطويقها من دول يجمعها الخطاب السياسي والإيديولوجي الإسلامي نفسه، حسَم في تغيير الموقف الأميركي بضرورة تجاوز الرهان الذي عقد على إقامة علاقة سياسية مع تلك الجماعات في مرحلة ما سُمّي بالربيع العربي.
هناك تطمينات سعودية للأميركيين بعدم الوقوف امام أي خريطة طريق لعملية ديموقراطية مجدية وجادة في أي بلد عربي، خصوصاً وأنّ السعوديين يعلمون، شأنهم شأن الغرب، أنه لا يزال من المبكر الحديث عن وجود قوى تحمل هذا النوع من المشاريع الديموقراطية، حتى الساعة.
فالثورات الأولى للربيع العربي، والحراك السياسي المتواصل سواء في مصر او تونس او اليمن او ليبيا او أي مكان آخر، تقوده قوى أهلية لا يمكن تنسيبها أو على الأقل تعريفها بأنها قوى ديموقراطية تمثّل مصالح اجتماعية وسياسية وازنة فيها. لذلك، ينبغي أولاً إعادة مساواة الأحداث بعضها ببعض، ولا سيما في سوريا، عبر نزع اليد الإيرانية عنها أولاً.
ويعتبر البعض أنّ ما يمكن أن يحصل في الأسابيع والأشهر المقبلة، هو محاولة إعادة فرض المساواة بين القوى المتقاتلة على الأرض. وهذا ما يذكّر بتجربة الحرب الأهلية اللبنانية، او بما يجري في العراق، حيث سيُطاح بالتفوّق العسكري والتسليحي لمحور الأسد ـ إيران ـ “حزب الله”، عبر ضرب كل الأسلحة الإستراتيجية التي في حوزته.
والنتيجة المتوقعة من العملية الجاري إعدادها، إما فرض التنازل السياسي على هذا المحور من دون حرب، وبالتالي تطبيق اتفاق “جنيف 1” القاضي بإخراج الأسد وفريقه من الحكم، او فرض هذا التنازل بالقوة.
وتشدّد تلك الأوساط على أهمية النقاشات التي يجريها مساعد الأمين العام للأمم المتحدة السفير الاميركي السابق في لبنان جيفري فيلتمان في العاصمة الإيرانية، والوساطة التي يجريها السلطان قابوس أيضاً.
كذلك تشير الأوساط الى أهمية إعلان تركيا أنها ستكون جزءاً من التحالف الدولي ضد سوريا، في ما يشبه الإستدراك السياسي لإعادة لملمة علاقات أنقرة مع العالم العربي، بعد أزمة الإخوان المسلمين في مصر، خصوصاً وأنّ إسلاميّي تركيا يرتكزون الى تجربة سياسية ومؤسساتية، تجعل من الصعوبة تكرار تجربة مصر فيها.
في النهاية، إذا صحّ ما أعلنته تنسيقيات الثورة السورية عن مغادرة قطع الأسطول الروسي المرابطة في طرطوس، تكون موسكو حينئذ قد قرّرت تنفيذ سياسة النأي بالنفس جدّياً في سوريا.