#adsense

لا تُعطى سوى وطن واحد

حجم الخط

 

 

“الأشياء تنهار، الأساس متداعٍ، والفوضى المتعرّية طالعة على العالم” و. ي. بيتس

كان وزير الخارجية السوفياتي أندريه غروميكو يُعطي العالم الخارجي انطباعاً أنه مكفهرّ مزموم الشفتين، أما وجهه الحقيقي حيال السوفيات فكان مازحاً ساخراً يلجأ إلى الدعابة في أحلك الأوقات. إذ انطوى العام 1981 على كوارث كبرى، أرسل إلى موظفيه في الخارجية برقية تهنئة بالعام الجديد، هذا نصها: “أيها الرفاق، لم يعد من الضروري أبداً أن ندفع رواتبكم. ولا من مبرر لمنحكم إجازات. فما تمارسونه هنا ليس أعمالاً بل متعة دائمة في كل الاتجاهات. فإما قتل أو اغتيال أو مؤامرة وإما انقلاب وخطف في مكان آخر. حتى الروايات البوليسية لستم في حاجة إلى قراءتها. وإن حياتكم من الصباح إلى المساء هنا هي رواية بوليسية كبرى”.

في ذروة المأساة البشرية، يتحول كل شيء إلى عبث في مواجهة طغيانها. يصل بطل ألبير كامو (الغريب) إلى مأوى العجزة لحضور جنازة أمه المتوفاة، والشعور الوحيد الذي يهدَّه هو التعب والحاجة إلى النوم، إلى أن يذكِّره مدير المأوى “بأن المشكلة الكبرى في هذه الحياة أننا لا نُعطى سوى أم واحدة”.

تحاول كوارث الضاحية وطرابلس أن تذكّرنا بأن المشكلة الكبرى هي أننا لا نُعطى سوى وطن واحد. كل بدائل الأرض لا تشكّل وطناً، وأقصى ما تكونه أنها بدائل.

انضمت بيروت إلى عكار وطرابلس وشرق صيدا وحارة صيدا وشرق لبنان، والسلام على بعلبك وريم على “القاع” بين البان والعلم! قوس الرعب يتوسّع، ولا مفاجآت. تعجبين من سقمي صحتي هي العجب! تقوم حياة البحَّارة على الريح، لا شيء غير الريح، يقول غي دو موباسان. يوم هي الأمل، ويوم هي الحطام. ينام البحَّار وهو يفكّر فيها. أو فيه. لقد ذكَرها الفرنسيون تهيُّباً وخشية. يفيق وأول ما يفعله أن يتفقّد اتجاهها ويتلمّس سرعتها. الريح الريح تحملني الريح يقول جبران. وما أشقى الأوطان الساكنة في مهبّ الرياح.

وُلد هذا البلد على دولاب هواء. أن تكون لوحة الجلاءات على نهر الكلب لوحة بطولات، فهذا تزوير طفولي مولَّف. إنها تدوين لحياة وطن يقيم في درب الذين يركبون الرياح، قادمين أو منسحبين. نحن دولة على الشاطئ، أهله يسرقون الرمل وشعبه يحتار يد أي قبطان يُقبّل. ما من عزاء في أن هذه طبيعة الرجال جميعاً. يقول دوستويفسكي إن لا شيء يشغل هذا الكائن، المعروف أيضاً بإسم الإنسان، كمثل البحث عن كائن آخر ينحني أمامه.

اقرأ صحفك مُذ تتعلم فكّ الحرف. كل كاتب بحَّار يرقُب الريح ويكتب. يبلّغك أن الهبوب في عكار، لا في طرابلس. إنه يضرب الناعمة، ما يهمّ. طريق الشام مفتوحة. يا مخلوق تلك هي المسألة: إن طريق الشام مفتوحة. تلك كانت ولا تزال هي المسألة. To be or not to be. ليس في قول شكسبير بل في ريشة حبيب حداد، هذا الكاريكاتور اليومي الذي يزن ألف مقال. أحياناً يظهر المفكرون الكبار في شكل رسام كاريكاتور من طرابلس: محمود كحيل وأطال الله في عمر حبيب حداد.

إذا سقط الرجال يستحيل أن يبقى الوطن قائماً. كل ما من حولنا منهار. تحدّث الدكتور رضوان السيد عن قريبة له من ضحايا انفجار الضاحية، نصفها شيعي نصفها سني. اختلف أقرباؤها في العزاء. حزن أم شماتة؟ في مرحلة سابقة كان الزواج المختلط عملاً سماوياً كالموت المشترك. وفي مرحلة أخرى كانت علامة العلاقة الطبيعية بين لبنان وسوريا فارس الخوري. صارت علامة العلاقة المميزة عنجر والبوريفاج وملاكمي البرامج التلفزيونية.

من أجل كرامة فؤاد شهاب، حضر أهم زعيم عربي يومها إلى لقائه في خيمة على الحدود. صار الرؤساء اللبنانيون يفاخرون بعدد الاستدعاءات. وصار المرشحون للرئاسة يتبارزون في الانحناء أمام مسؤول “الملف”، السيد النائب عبد الحليم خدام.

حدث الاختلال ليس في نوعية الولاء بل في طبيعته. شعب موزع الولاءات يُعطى وطناً موزّع الأطراف. هذا حصاد الدعوة المفتوحة التي وجهها الجميع إلى انتهاك كراماتهم. أكثرها، إن لم يكن كلها، رفع على يافطات علنية… اللي استحوا ماتوا.

قال سياسي لبناني وهو يعرض صورة المنطقة إن سوريا هي الدولة العلمانية، أو المدنية الوحيدة. كيف تكون دولة مدنية الحزب فيها هو قائد المجتمع؟ أول تجربة مدنية كانت مصر وثانيها لبنان، وأول دولة علمانية أعلنها محام عاش في سجون فرنسا وناضل بكل عقله وجوارحه من أجل استقلال تونس. هذا الرجل وسَمَه التخلّف بالخيانة، أسهل التهم الجارية عند العرب يتبادلونها مثل بطاقات المعايدة. من سنة إلى سنة ومن بلد إلى بلد.

تتوالد وتتكاثر الأوبئة في المناخات الملوّثة. والأوبئة عدوى. راجع حكاية الريح والبحَّارة وغي دو موباسان. عدوى، الأوبئة، عدوى! عندما يحل الوباء يحل الوباء، ولا منأى. كم مرة روينا لجنابكم حكاية “الديكاميرون”، رواية بوكاشيو عن الطاعون في فلورنسا: مجموعة مخدوعين تطلع خارج المدينة لاعتقادها أن الوباء لن يصلها.

تُنقل الجراثيم والأوبئة في الريح وفي المياه. كان سوسلوف أشهر منظّري السوفيات، ولما مات أدرك قادة الحزب أن الصراع سوف يأكلهم، كما روى غورباتشيوف في مذكراته. لقد غاب الرجل الذي يمكن أن يوحّد بينهم في الحوار. بعده، يقول غورباتشيوف، بدأ مسلسل الموت في الكرملين. ومع نهاية الحوار انتهى البلد.

لاحظوا الأسماء التالية: مصر، لبنان، سوريا، العراق. غاب الحوار فحضر الموت من جميع الجهات. ولاحظوا تونس، حوارها وافر وموتها قليل، على ما قال سعيد عقل منبهراً أمام مدى الجمال في حبيبته، “جمالك وافر وفمي قليل”. إلى ماذا يدعونا ميشال سليمان لكي نرفضه ونندّد به؟ دعوتان لم يضف إليهما ثالثة: الحوار والدولة. الحوار لأنه طبيعة فكره والدولة لأنها أمانته وقسَمَه. ونحن نقيّض الحوار ونقيّض الدولة. نحن نرتضي الحياة من دون خطاب ومن دون مسؤولية. نحن شعب يمضي إلى حياته بكل إحساس معدوم وكرامة جماعية وفردية مُداسة، مسجلين للأمم سابقة جديدة: حكومة تصريف أعمال لا نعطيها سوى حق إعلان الحداد، وحكومة عمل نُغلق في وجهها الأبواب والطرق والمنافذ والنوافذ وجميع دروب الوصول.

أمام هذه الإغلاقات الساديّة يبقى مفتوحاً باب واحد: باب التبانة. باب الموت العربي الرخيص والمملّ والنفس العربية المجيَّفة التي ترى أمامها 1400 جثة في بساتين بردى، فيكون ردّها تساؤلاً وحيداً: كيميائي أم عادي؟ معارضة أم نظام؟ شبيحة أم نصرة؟ آكلة أكباد أم قَتَلة أولاد؟ نساء للمقايضة بحقائب، كما كان يقول خدّام عن سياسات لبنان، أم طفلات في سوق جهاد المناكحة؟ نفس جوفاء مجيَّفة النفس العربية. رحم الله رفيق المعلوف وسفْره، “النفس العربية”. لم يعِشْ ليرى تبادل بقلاوة الموت ما بين الضاحية والتبّانة. ما بين العدوية والتحرير. ما بين الأعظمية والكاظمية. ما بين حماس وفتح. ما بين الجزائر والمغرب.
قتيلكم ميت وقتيلنا شهيد. واحد فداء القرن السادس وواحد فدى السابع والثامن. ما أحلى أيام الانعزاليين. على الأقل كان شعارهم الانعزال. لم يتحدثوا عن الوحدة ويفجّروا أركانها وأساساتها ومعانيها. لم يلعنوا التقسيم وهم يحفرونه.

النفس العربية تقرأ الصحف أو تسمع الأخبار، كأن ما يحدث يحدث في مدغشقر. مدنيّو الضاحية ومصلّو طرابلس وأطفال الغوطة وأشلاء بغداد وغبار الأمة، وراقبوا لنَرى في أي مكان ستوزّع بقلاوة الموت المقبلة.

للأشياء علامات لا تخطئ. الطاعون له مظاهره: أن يكون القاتل مجهولاً في كل مكان والموت لا يُسألُ عن هويته عند الحواجز. نفس مجيَّفة تقف فوق منصة في سباق أولمبي بين القتل والشهادة، الجريمة المقدّسة والجريمة المدنّسة. الضاحية أو طرابلس أو عرسال أو عكار. الوحدة الوحيدة التي يعمل في سبيلها الجميع وحدة الموت والخراب، ثم استنكارها في صوت واحد. غراب بصيغة الجمع.

المصدر:
النهار

خبر عاجل