بين الحرب العراقية الاخيرة التي أطاحت بالرئيس الراحل صدّام حسين، وبين التلويح بضربة اميركية على نظام الرئيس بشّار الأسد، مرَّت عشر سنوات، عرف العالم العربي خلالها متغيّرات سياسية أبرزها الربيع العربي. أمّا لبنان فقد شهد تغييراً واضحاً في العام 2005 أدّى الى انسحاب الجيش السوري من أراضيه، ما فتح مرحلة جديدة من التحدّيات أمامه. ففي حرب العراق كان النظام السوري مصادراً قرار لبنان، أمّا الآن فالنظام السياسي أو الفوضى المستشرية تطرح تساؤلات عدّة عمّا سيؤول اليه الوضع عندما توجّه أميركا ضربتها العسكرية، مع مساندة نصف الشعب اللبناني نظام الأسد وادّعائه معاداة أميركا. من هنا ستكون تداعيات المرحلة خطيرة على لبنان، الذي تُعتبر سوريا كمّاشته، جغرافيّاً.
التداعيات الديبلوماسية
يقول مصدر ديبلوماسي رفيع لـ”الجمهورية” إنّ “الديبلوماسية اللبنانية الموجودة راهناً ستكون محرَجة إذا لم تتغيّر بتأليف حكومة جديدة (مع استبعاد الأمر)، لأنه من الصعوبة التوفيق بين موقفها الدائم المساند للنظام السوري وبين موقف نصف الشعب اللبناني الآخر الذي يقف بشدّة ضدّ النظام السوري، كما أنّ الطوق الديبلوماسي المفروض على النظام السوري عربياً ودولياً يجعل الحراك الديبلوماسي لمساندته صعباً جداً، مع سقوط مقولة أنّ الحكم اللبناني هو وزارة خارجية للنظام السوري”، لافتاً إلى أنّ “الدول الكبرى، وعلى رأسها روسيا والصين، لن تتَّخذ قراراً فعلياً لمواجهة أيّ ضربة اميركية، وسيقتصر موقفها على الرفض مثلما حصل في حرب العراق، حيث رفضت الصين وروسيا وفرنسا تلك الحرب، لكنّها لم تستطع وقف اميركا آنذاك مع أنّها تملك حق “الفيتو”.
وأشار المصدر إلى وجود “تخوّف حقيقي من أن يطاول العزل الدولي، الديبلوماسية اللبنانية، في حال وقفت مع النظام السوري، والإعلان عن أنّ سفراءنا غير مرغوب بهم، مع الإدراك أنّ هذا الأمر لن يصل الى حدّ القطيعة”.
الأزمة السياسية
تُجمع أوساط “14 و8 آذار” على أنّ “الضربة ستزيد الانقسام السياسي، حيث سيستخدمها كلّ طرف في تحقيق أكبر قدر من المكتسبات السياسية. فإذا فاز “8 آذار” والمحور السوري – الإيراني في الحرب المتوقّعة سيفرض شروطه، كما فعل بعد حرب تمّوز 2006. أمّا إذا انهار النظام السوري، فقد تستطيع “14 آذار” المضيّ خطوة الى الامام من اجل تثبيت مشروعها السياسي وتصويب المعركة في اتّجاه سلاح “حزب الله” الذي قد يخرج منهمكاً من هذه الحرب ويذهب نحو تسوية داخلية. وبين هذين التمنِّيَين الداخليين يبقى الخوف من اندلاع حرب أهلية، خصوصاً أنّ كلّ فريق لن يسلّم للآخر بالفوز”.
الحدود والنازحين
لا شكّ في أنّ الحدود اللبنانية سائبة، ومع ارتفاع أعداد النازحين السوريين الى لبنان والحديث عن امتلاكهم السلاح، حسب تقارير المنظمات الدولية، سيتسبّب هؤلاء في أزمة حقيقية، في ظلّ الحديث عن إقامة مناطق عازلة تكون منطلقاً للمعارضة من أجل إطلاق حملتها العسكرية على النظام السوري ومساندة “الجيش السوري الحر”، كما أنّ الأمن المتفلّت سيزداد، وعدد النازحين سيرتفع مع توسّع رقعة الحرب الدائرة هناك.
التداعيات العسكرية
كذلك، ستترك هذه الحرب المحتملة تداعيات عسكرية على لبنان مع مشاركة “حزب الله” في الحرب السورية، وإمكان تدخّل إسرائيل في المعركة وتوجيهها ضربات الى الحزب مستفيدة من الغطاء الاميركي. وفي هذا السياق، قال خبير الشؤون العسكرية العميد المتقاعد أمين حطيط لـ”الجمهورية”، إنّ “الحرب النفسية الإعلامية التي شنّتها واشنطن بعد كلام وزير الخارجية السوري وليد المعلّم تؤكّد أنّ الضربة العسكرية المقرّرة غير مؤكّدة، أمّا في حال حصولها، فإنّ هناك نوعين من الأعمال الحربية: إمّا عمل عسكري رمزيّ لحفظ ماء الوجه وإمّا عمل مؤلم مؤثّر. فإذا حصل عمل رمزيّ فإنّ سوريا ستردّ بعمل رمزيّ لإجهاض العمل الأميركي لحفظ كرامتها وعنفوانها، أمّا إذا كان العمل مؤثّراً فسوريا ستردّ بأعمال مؤلمة، وهنا يُتوقّع أن يتدخّل “حزب الله” بقوّة بحيث يصبح طرفاً في المواجهة”.
ورأى حطيط أنّه “في حال الردّ القاسي، ستنزلق المنطقة الى حرب واسعة تدخل فيها إيران حتماً، وبالتالي ستشتعل المنطقة، والتداعيات على لبنان ستكون وفقاً لعقلية الأفرقاء السياسيّين”، مشدّداً على أنّ “الفريق الذي سيدخل في مواجهة من هذا الحجم سيذهب دهساً بين الأقدام، أمّا في حال سيطرت العقلانية، ستكون المواجهة حتماً محسومة”.
في المحصّلة، سيتأثر لبنان حتماً بأيّ حرب محتملة، مع كلّ السلبيات التي سترتدّ عليه، وعندما ستنتهي الحرب سيعيد الرابح رسم خريطة المنطقة، مثلما فعلت أميركا والاتحاد السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية، وكما فعلت أميركا بعد انتصارها في الحرب البادرة على الاتحاد السوفياتي، وهنا سيدخل وطن الأرز مرحلة صراع جديد.