
يبدو أن الدول الغربيّة حزمت أمرها في “تأديب الأسد” عقب ضرب نظامه الغوطة في ريف دمشق بالأسلحة الكيميائيّة الأسبوع المنصرم، وهذا الحزم يظهر جلياً عبر تصعيد هذه الدول لهجتها ضد دمشق وإبلاغها المعارضة السورية بتوقع توجيه ضربة عسكرية خلال أيام.
في المقابل، حذرت روسيا وإيران من اسخدام القوّة ضد سوريا معتبرتين أن أمراً مماثلاً سيؤدي إلى “زعزعة استقرار” الشرق الأوسط. إلا أن أمراً أكثر من التحذير لم يصدر عن حلفاء سوريا فلا وعود بالدعم في حال “العدوان” ولا بالمساندة والمشاركة في صدّه بل عكس هذا تماماً. فقد لوحت موسكو بمغادرة قواعدها في طرطوس واجلت 89 من رعاياها من سوريا وسترسل طائرة اخرى لنقل المزيد، في حين يستكمل الغرب استعداداته لتوجيه الضربة.
قرار بالبداية لا النهاية
وأعلنت وزارة الخارجيّة الروسيّة أن وزير الخارجيّة سيرغي لافروف أجرى اتصالاً هاتفياً بالمبعوث الأممي الى سوريا الأخضر الابراهيمي أبلغه خلاله أن “اللجوء الى القوة لحل الأزمة السورية سيؤدي الى زعزعة الوضع هناك وفي المنطقة برمتها”، مشيرةً إلى أن لافروف والإبراهيمي اتفقا على أنه يجب على جميع الأطراف بمن فيهم اللاعبون الخارجيون في هذه اللحظة الحرجة أن يعملوا بصراحة ومن دون تكرار للأخطاء السابقة.
من جهته، حذر رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني الغرب من الاعتداء على سوريا، وقال: “قرار البداية بيدكم لكن قرار وقف الحرب لن يكون كذلك”، معتبراً إلى ان “اتهام سوريا باستخدام الأسلحة الكيميائية مؤامرة والمعطيات تؤكد أن “الجماعات الإرهابية” هي من استخدمها”.
وحذر وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف من أن “أي مغامرة عسكرية غربية ضد سوريا ستشعل المنطقة وتتخطى الحدود السورية”. وقال ظريف في مقابلة تلفزيونية نقلتها وكالة “مهر” الإيرانية ، “لقد حذرت مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسيّة جيفري فيلتمان خلال زيارته الأخيرة الى إيران من مغبة أيةمغامرة غربية في سوريا حيث أن تبعاتها ستشعل المنطقة وتتخطى حدودها”، مشيراً الى انه بحث مع فيلتمان المستجدات في سوريا ومصر وقضايا الشرق الأوسط.
وانتقد ظريف سلوك بعض الدول التي لم يسمها “التي تحاول فرض رأيها بالقوة والإكراه”، معتبراً أن “هذا السلوك يماثل شريعة الغاب حيث تم شطبه من العلاقات الدولية منذ زمن بعيد”. وتحدث ظريف عن ما وصفه “استغلال” بعض الدول للحوادث المؤسفة التي تعصف بسوريا، وقال “إن بعض الأطراف الإقليمية والدولية جعلت من المأساة السورية منطلقاً للدفع بأهدافها الذاتية الى الأمام، حيث البعض منها ينطلق من منطلقات توسعية تخدم الكيان الصهيوني والبعض الآخر يعمد الى تسعير الخلافات المذهبية لتحقيق اجندات خاصة به”.
وكان قد أكد وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان الثلثاء أن أي عمل عسكري ضد النظام السوري سيهدد أمن المنطقة واستقرارها. وقال في تصريحات لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية: “في حال حصول هجوم عسكري ضد سوريا، فإن أمن المنطقة واستقرارها سيكون مهددا”.
روسيا تجلي رعاياها وإسرائيل ترفع مستوى التأهب وتفتح الملاجئ
في الإجراءات الميدانيّة، أعلنت وزارة الطوارئ الروسية عن إرسال طائرة جديدة إلى سوريا لنقل المواطنين الروس الراغبين بمغادرة البلد في ظل استمرار الأزمة السورية، وذلك بعد قيام طائرة أخرى بنقل 89 من رعاياها من اللاذقية. ونقلت وكالة الأنباء الروسية “نوفوستي” عن المتحدثة بإسم الوزارة إيرينا روسيوس قولها “ان هذه الرحلة هي لمواطنين روس سبق وعبروا عن رغبتهم بالعودة إلى موسكو”، لافتةً إلى ان الطائرة حطت في وقت متأخر من مساء الثلثاء في مطار “دوموديدوفو” وعلى متنها 89 شخصاً غالبيتهم من النساء والأطفال. وذكرت روسيوس ان الوزارة أرسلت طائرة أخرى لنقل الرعايا الراغبين بالعودة إلى روسيا.
التصعيد الغربي
أعلن المتحدث باسم البيت الأبيض جاي كارني إن الرئيس الأميركي باراك أوباما، يبحث “الرد المناسب” على “الانتهاك السافر للمعايير الدولية”، مشيراً إلى إنه “لا يوجد شك أن السلاح الكيميائي استخدم في سوريا وأن النظام هو من استخدمه. فهو يمتلك القدرة على قصف هذه الأسلحة بالطريقة التي ضربت بها”.
في هيوستون، أكّد نائب الرئيس الأميركي جو بايدن أن من الواضح أن الحكومة السورية مسؤولة عن هجوم بأسلحة كيماوية على مدنيين الأسبوع الماضي وأنه يتعين محاسبتها على هذا العمل “الشنيع”، مشيراً في كلمة أمام جمعية لقدامى المحاربين إلى أن “لا شك في أن المسؤول عن هذا الاستخدام الشنيع لأسلحةكيماوية في سوريا هو النظام السوري.”
ومن جهته تعهد الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، الثلثاء، بمعاقبة من قتلوا الأبرياء في سوريا، مشيراً إلى “كل الأدلة تشير إلى أن الحكومة السورية هي من استخدم الكيماوي”. وأضاف في مؤتمر صحافي: “إن الحل الدبلوماسي لا يلغي الخيار العسكري”، معتبراً أن الحرب “الأهلية” السورية تهدد السلام العالمي، ومشدداً على ضرورة الرد على “المجزرة الكيماوية” في سوريا. كما أكد الرئيس الفرنسي أن بلاده ستعزز المساعدات العسكرية للمعارضة السورية المسلحة.
في حين يلتقي هولاند الخميس رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض أحمد الجربا، وفق ما أعلنت الرئاسة الفرنسية. أوضحت مصادر رئاسية أن اللقاء مع الجربا سيتخلله “تقييم للوضع في سوريا في وقت يعيش المجتمع الدولي حال تعبئة لدرس الردود على الهجوم بالأسلحة الكيماوية الذي شنه نظام بشار الأسد”.
في لندن، قال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون: “إن أي عمل عسكري ضد سوريا يجب أن يكون بشكل محدد، مشددا أننا “لسنا على وشك التورط في حرب بالشرق الأوسط”، مشيراً إلى أنهم “يعلمون أن النظام يملك هذه الأسلحة (الكيميائية) وقد سبق له استخدامها. والسؤال هل سنسمح باستمرار استخدام تلك الأسلحة؟”. تأتي تصريحات كاميرون في وقت أكد مصدر حكومي بريطاني أن لندن لا تسعى إلى “قلب” نظام الحكم في سوريا.
في روما، أفاد بيان أن رئيس الوزراء الإيطالي إنريكو ليتا اتفق في مكالمة تليفونية مع نظيره البريطاني كاميرون على أن استخدام سوريا أسلحة كيميائية “غير مقبول”. وقال: “اتفقت المملكة المتحدة وإيطاليا على حقيقة أن سوريا قد تجاوزت نقطة اللاعودة”. وأضاف: “إن الهجمات جريمة غير مقبولة لا يمكن أن يتهاون المجتمع الدولي بشأنها”.
تعليقات عربية ودولية
من جهة أخرى، تعددت التصريحات العربية والدولية بشأن الضربة المحتملة على سوريا، وطالب وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل المجتمع الدولي باتخاذ موقف “حازم وجاد” ضد النظام السوري الذي قال إنه “فقد هويته العربية”. وقال في تصريحات نقلتها وكالة “الأنباء السعوديّة الرسمية”: “إنه بعد استخدام السلاح الكيماوي المحرم. بات الأمر يتطلب موقفا دوليا حازما وجادا لوقف المأساة الإنسانية للشعب السوري خصوصا أن النظام السوري فقد هويته العربية ولم يعد ينتمي بأي شكل من الأشكال للحضارة السورية التي كانت دائما قلب العروبة”.
من ناحيتها، أعلنت الجامعة العربية أن من هم وراء الهجوم الكيميائي يجب أن يواجهوا العدالة الدولية، وحضت أعضاء مجلس الأمن الدولي على تجاوز خلافاتهم واتخاذ إجراء لوقف القتل هناك. وفي بيان صدر بعد اجتماع في القاهرة حملت الجامعة الحكومة السورية المسؤولية كاملة عن الهجوم، وطالبت بتقديم كل مرتكبي الهجوم لمحاكمات دولية.
في حين تمسك وزير الخارجية المصري نبيل فهمي بعدم وجود حل عسكري في سوريا، وقال: “إن القاهرة لا تعتزم تشجيع الجهاد هناك”.
من جهته، أكّد رئس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أن إسرائيل ليست طرفا في الصراع في سوريا، وإنها سترد بقوة على أي هجمات على إسرائيل.