#adsense

النظام السوري بانتظار الضربة.. تحذيرية أم قاصمة؟

حجم الخط

 

منذ مطلع العام الجاري توصّلت المخابرات الأميركية إلى معطيات تفيد بإمكان استخدام نظام بشار الأسد أسلحة كيماوية ضد معارضيه، بناءً على حركة شاحنات رصدتها الأقمار الاصطناعية؛ يُعتقد أنها كانت تنقل غاز السارين إلى موقعين عسكريين.

لم يمض وقت طويل حتى أكد بشار الأسد هذه المخاوف، باستعماله الغازات على نحو محدود في مواضع عدة؛ كان أشهرها خان العسل في حلب، ما جعل الرئيس باراك أوباما يذكرّه علناً أن “اللجوء إلى هذه الأسلحة سيغير قواعد اللعبة” (20/3). وبعد توارد الأنباء عن الهجوم على الغوطتين (الشرقية والغربية) بالسلاح الكيماوي، وإزهاق أرواح المئات (21/8)، ومماطلة النظام السوري بالسماح للمفتشين الدوليين الذهاب إلى مواقع محددة، فضلاً عن قصف هذه المواقع في محاولة لتدمير الأدلة؛ اعتبرت الإدارة الأميركية أن الأسد “تجاوز الخط الأحمر”.

ما بعد الخط الأحمر
في واقع الحال فإن استعمال السلاح الكيماوي ليس كما قبله، لا على الصعيد الإنساني أو العسكري، ولا على صعيد التوازنات في المنطقة، وهذا هو الأهم. بشكل أوضح؛ فإن سماح الولايات المتحدة و”إسرائيل” لنظام الأسد باستعمال السلاح الكيماوي على نطاق واسع مرة، يعني سماحهم باستعماله كل مرة، أي قبولهم بدخول هذا السلاح إلى ميدان التوازنات في المنطقة، واستعماله ضد “إسرائيل” أو حلفاء الولايات المتحدة، طالما أنه قد تم بالفعل استعماله، ولم يتحرك العالم.

من هذا المنطلق كان تأكيد الولايات المتحدة غير مرة أن استعمال هذا السلاح ممنوع، وأن المخزون الكيميائي في سوريا يعادل أو يفوق أهميةً المخزون النفطي لأي بلد آخر، أي أنه سبب موجب للتدخل، سواء استخدمه النظام ضد شعبه أو ضد آخرين، أو إذا ما تراخت قبضته عليه ووقع بـ “أيدٍ خطأ”، أو إذا ما سلمه لحلفائه في المنطقة (وهو ما دفع الطيران الحربي الإسرائيلي لقصف مواقع سورية غير مرة).

ولما كان بشار الأسد يعلم ذلك جيداً، فإنه حاول اختبار الغرب مرات عدة، لاكتشاف مدى جديته في توجيه رد قاسٍ إذا ما استعمل الكيماوي، وهكذا بدأ باستخدامه على نحو محدود مرة بعد أخرى، ولم يواجه برد جدي، ما شجعه على استعمال هذا السلاح على نحو أوسع، لا سيما أنه عجز على مدى أشهر عن إبعاد الثوار عن أطراف دمشق… هكذا تجاوز الأسد الخط الأحمر في مجزرة الغوطتين الرهيبة ودفع الغرب للتفكير بهجوم عسكري على نظامه لأول مرة بشكل جدي.

وبالتأكيد؛ فإن الغرب كان محرجاً تجاه إجرام الأسد وتجاوزه للخطوط الحمر مراراً، لكن هذا الإحراج ليس هو الذي دفعهم للتحرك اليوم، وإنما المصلحة السياسية من جهة، ودفعُ سياسات دول عدة بهذا الاتجاه، وأولها “إسرائيل” التي كانت سياستها تقوم على أساس عدم التدخل في الحدث السوري، باعتبارها المستفيد الأول مما يجري من دمار لسوريا وإضعاف للفريقين؛ النظام والثوار، لكن مع دخول الكيماوي الميدان؛ غيّر رئيس الحكومة ووزير الدفاع الإسرائيليين من مواقفهما، حفاظاً على سياسة الردع، ولئلا يصبح استخدام الكيماوي في إطار المعلوم في الصراع في المنطقة (أي أمراً مقبولاً تجاه “إسرائيل”).

تركيا أيضاً كانت تنتظر الفرصة التي تدفع من خلالها الغرب للتحرك، كي تبادر إلى إعلان مشاركتها في أي هجوم. ولا يخفى الدور السعودي الذي يدفع منذ مدة باتجاه إسقاط نظام الأسد، وتقديم المملكة مساعدات عسكرية في هذا الاتجاه، ومحاولتها تعديل مواقف روسيا، ولا يخفى أن الدور القطري يصب في هذا الاتجاه أيضاً.

تحذيرية أم قاصمة؟!
أسهمت هذه المعطيات كلها في التحضير للضربة المتوقعة قريباً. السفن الحربية الأميركية باتت جاهزة، والقواعد البرية، والدول المشاركة أيضاً. وفي المعلومات أن قيادة أركان الجيش السوري الحر أُبلغت أن ضربة قريبة ستُشن على مواقع القيادة والسيطرة، وعلى المطارات العسكرية، والمواقع العسكرية الهامة، وأن تنسيقاً سيجري على الأرض مع الثوار كي لا تحدث أخطاء ميدانية، خلال عملية القصف.
ويُعتبر اجتماع عمان الأخير مؤشراً حاسماً على قرب العمل العسكري؛ الجوي والبحري، والذي يتم التنسيق بشأنه بين كل من الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وإيطاليا وتركيا والسعودية وقطر والأردن. وهي الدول التي حضر ممثلو جيوشها الاجتماع (عمان) للبحث في سيناريوات الضربة العسكرية.
وفي المعلومات أيضاً أن النقاش تناول طبيعة الضربة (تحذيرية أم قاصمة)، ودور كل مشارك فيها، وتداعياتها (في حال سقوط النظام مثلاً)، ورد الفعل عليها (روسيا- إيران)، وقد وُجهت أسئلة واضحة إلى ممثلي الائتلاف الوطني السوري في مجالات محددة تتعلق بالضربة وما بعدها.
وبطبيعة الحال فقد أبدى بعض القادة العسكريين مخاوف من تداعيات الضربة (الموقف الإيطالي مثلاً)، كما أبدت دول أخرى رغبتها بالحصول على ضمانات أمنية (الأردن)، في حين ذهب شطر كبير من النقاشات على ما سرّب ممثلون عن الائتلاف الوطني- باتجاه تحديد طبيعة الضربة.
في هذا المجال؛ يؤكد أكثر من طرف اطلع على مضمون النقاشات أن غاية الضربة ليست إسقاط النظام السوري، وإنما ردعه، وإن كانت الضربة المقررة ستضعفه بشدة وتسرّع من سقوطه. ويبدو أن التقدير السعودي يقوم على أساس أن لا مصلحة بسقوط سريع وفوري للنظام السوري، وإنما الأفضل ترجيح كفة الثوار، وتعزيز قدرات الفصائل غير المتشددة، لتشكل بديلاً طبيعياً عن النظام حال سقوطه بعد مدة.

روسيا وإيران
على نحو ما سبق؛ يمكن توقع هجمات موجعة ضد النظام السوري قريباً جداً، دون أن يكون الهدف إسقاطاً فورياً للنظام (وإن كان احتمال سقوطه خلال هذه الضربات ممكن إذا ما حصل شيء غير متوقع)، ومن دون أي تورط بري في القتال.

وإذا كانت توجهات التحالف الدولي -قيد التشكل- واضحة بالعموم، فإن رد فعل حلفاء النظام السوري غير واضحة، وهي تعتمد على نوعية الضربة ونتائجها. غير أن المؤشرات الأولية تشير إلى أن روسيا – كما قال وزير خارجيتها- ليست بوارد الدخول في حرب، وهي “تأسف لإلغاء اجتماع كان مقرراً مع الجانب الأميركي لبحث الأوضاع في سوريا”.

وعلى خلاف البرودة الروسية، جاءت مواقف الخارجية الإيرانية حامية، محذرة من “عواقب خطيرة على المنطقة”، في حين تولت مصادر وقيادات “حزب الله” التعبير عن تحذيرات قاسية ضد “إسرائيل” والمصالح الأميركية في المنطقة.

أن يكون هناك ضربة قاسية للنظام السوري، وإن لم يكن الهدف منها وضع نهاية له، فهذا يعني أن احتمال توسع النار يبقى قائماً، سيما وأن التوجه الإيراني قائم على أساس أن “لسوريا في المنطقة والعالم أصدقاء حقيقيين لن يسمحوا لسوريا أن تسقط” (الكلام للسيد نصر الله)، لكن كيف سيترجِم المشروع الإيراني هذا التعهد؟! لا يمكن لليقين أن يسيطر في هذا المجال، لكن يقيناً أن لبنان سيتأثر على نحو هائل فيما سيجري في الساعات والأيام القادمة، وأن الأوضاع السيئة التي يرزح تحتها البلد راهناً لن تكون شيئاً أمام ما سيجري إذا ما انزلقت الأمور نحو الأسوأ.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل