كتب جورج بكاسيني في صحيفة “المستقبل”:
كيف سيتصرّف لبنان في حال وُجِّهت ضربة عسكرية إلى سوريا؟
سؤال يطرح نفسه منذ إطلاق المجتمع الدولي، قبل أيام، صفّارة الاستعداد لضربة عسكرية اعترف النظام السوري وحلفاؤه بإمكان حصولها.
والحال أنّ السؤال المطروح ينطوي على أسئلة فرعية لا تُحصى ولا تُعدّ: ماذا سيكون موقف لبنان الرسمي في حال حصول هذه الضربة؟ وموقف القوى السياسية والحزبية على ضفّتي 14 و8 آذار، وتحديداً “حزب الله” الذي انخرط مباشرة في القتال إلى جانب النظام السوري؟ ما هي خارطة طريق الحكومة اللبنانية لمواجهة هذا الاستحقاق، أم أنّها ستتصرّف على قاعدة أنّ هذا الاحتمال لا يندرج ضمن نطاق “تصريف الأعمال”؟ كيف يستوعب لبنان المزيد من النازحين السوريين، وما هي الخطط المعدّة لذلك؟
أسئلة تكاد لا تنتهي حول كيفية تعامل لبنان مع هذا الاحتمال، في وقت شُكِّلت “خلايا أزمة” في معظم الدول المحيطة بسوريا، بعضها منذ أيام، وبعضها الثاني منذ أسابيع، والثالث منذ شهور، فيما يغرق لبنان في صراعاته الداخلية وسجالاته حول الحكومة العتيدة والحوار المؤجّل وصولاً إلى.. “صنف الملائكة”.
هذه الأسئلة حملتها “المستقبل” إلى مواقع القرار، وإلى القوى السياسية والحزبية، في ملفّ يسعى إلى تسليط الأضواء على عنوان سوري لكن له في الوقت عينه تداعيات لبنانية في السياسة والاقتصاد والديبلوماسية والأمن.
في حلقة اليوم، الأولى من هذا الملف ملامسة أولى لأهم خطوة يفترض بالسلطات اللبنانية تحقيقها لمواجهة احتمال الضربة العسكرية لسوريا، وهي إنشاء “خلية أزمة” وزارية، كما هو الحال في الأردن وفي تركيا وفي كل الدول المحيطة بمسرح الحدث المتوقّع. غير أنّ مصادر وزارية واسعة الاطلاع كشفت لـ”المستقبل” أنّ الاتصالات السياسية التي جرت في الأيام القليلة الماضية لم تنجح في التوصّل إلى اتفاق بين المعنيين على تشكيل هذه الخلية، التي استعيض عنها أمس باجتماع في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان. وإذ رفضت المصادر كشف النقاب عن أسباب عدم الاتفاق المشار إليه، تحدثت عن “مجموعة عُقد وعقبات” تحول دون تشكيل هذه “الخلية”، فيما ألمحت مصادر أخرى إلى احتمال أن تكون احدى هذه العقد عدم رغبة بعض المراجع في أن تضم هذه “الخلية” وزير الخارجية عدنان منصور الذي سارع إلى تحميل الحكومة اللبنانية موقفاً “منحازاً” إلى النظام السوري، قبل يومين، مع إعلانه “عدم وقوف لبنان مكتوف الأيدي في حال تعرّضت سوريا لضربة عسكرية”. وأضافت انّ ثمّة عقبات أخرى سوف تجرى اتصالات خلال الساعات المقبلة لتذليلها تمهيداً لإيجاد اطار قادر على مواكبة الحدث المتوقّع.
وللسبب المشار إليه آنفاً، تضيف المصادر، لم يدعَ الوزير منصور إلى اجتماع بعبدا أمس الذي ضمّ إلى الرئيس سليمان رئيس الحكومة المستقيل نجيب ميقاتي ووزيري الداخلية مروان شربل والشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور، والمدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، السفير ناجي أبي عاصي والعميد جوزف نجيم.
وخلال هذا الاجتماع جدّد الرئيس سليمان دعوة كل القوى السياسية “لإعادة الاعتبار لسياسة النأي بالنفس عن الأزمات الاقليمية وتعقيداتها الممكنة”.. أمّا في ما يتعلق بالنازحين السوريين فأعلن الوزير أبو فاعور بعد الاجتماع أنّه “تقرّر متابعة معالجتها بما يتوافق مع الواجبات والالتزامات الإنسانية والقانونية.. وتمّ التوافق على اتخاذ تدابير محدّدة في هذا المجال بالتعاون مع الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية المعنية”.
شربل
وفي هذا الاطار، كشف الوزير شربل لـ”المستقبل” أنّ اجتماع بعبدا ناقش ملف النازحين الذي بدأ يتعاظم قبل حدوث الضربة العسكرية التي يجري الحديث عنها، والذي سجّل في يوم واحد فقط (أمس) نزوح 13 ألف نازح من سوريا إلى لبنان بحسب إحصاءات الأمن العام. وأضاف شربل أنّه تقرّر خلال الاجتماع أن يحدّد مكان لاستقبال النازحين على الحدود اللبنانية بالتعاون مع المنظمات الدولية و”توجيه” هؤلاء النازحين إلى أمكنة لم تحدّد حتى الآن. وتابع انّ رئيس الجمهورية سيحمل هذا الملف إلى اجتماعات نيويورك للجمعية العامة للأمم المتحدة ويناقشه مع مسؤولي الدول لمساعدة لبنان في هذا الصدد.
“حزب الله”
لكن يبقى السؤال: هل يلتزم الأفرقاء اللبنانيون بسياسة “النأي بالنفس” التي كرّر رئيس الجمهورية الدعوة إليها يوم أمس، وتحديداً “حزب الله” المنخرط مباشرة في القتال إلى جانب النظام السوري، أم أنّ الحزب سيتابع مساره المنفرد ضارباً عرض الحائط بـ”اعلان بعبدا” في حال وُجِّهت ضربة عسكرية لسوريا؟
عن هذا السؤال يجيب عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب الوليد سكرية بالقول: “إذا كانت الضربة محدودة وليست لإسقاط النظام لا أعتقد أنّ للحزب مصلحة في التدخل وتوسيع دائرة الصراع الى حرب اقليمية ليس الحزب من يقررها. ان الحرب، ان نشبت، سيضطر “حزب الله” الى ان يكون طرفا فيها. ليس هو من يسعى الى مثل هذه الحرب. ولكن اذا كانت الضربة لاسقاط النظام، وهذا مستبعد، يكون المستهدف منها اسقاط سوريا كليا، اي محاصرة المقاومة وضرب إيران وروسيا في آن لاخراجهما من المنطقة. في هذه الحال، لا تحصر الضربة في سوريا. والخطر الاكبر ان جبهة اسرائيل لن تكون هادئة كما الخليج. لذا، استبعد الضربة الكبرى لاسقاط النظام انما سيكون هناك عمل محدد لايجاد توازن بين المعارضة والنظام. فبدلا من ان تسلّح المعارضة، توجه ضربات محددة الى مواقع محددة في سوريا بحيث تصبح المعارضة بقوة النظام. وفي المقابل، اذا ضرب محيط دمشق، ستكون هناك ازمة كبرى للنظام.
أضاف سكرية: “كيف يردّ “حزب الله” على البوارج والطائرات الاميركية؟. ليست لديه وسائط للرد”، موضحاً أن دفاع الحزب عن النظام يتمّ “بقتاله المعارضة على الأراضي السورية. لا يمكن ان يقاتل الأميركيين وبوارجهم في محيط اليونان. ليس لديه الأسلحة المضادة لذلك”.
أما في حال كان “حزب الله” هدفاً للضربة العسكرية في سوريا، يضيف سكرية، “تكون اميركا قررت اشعال حرب في المنطقة مما يعني توجيه ضربة لقوى المواجهة في لبنان وسوريا، وهذا يستدعي اشعال المنطقة كلها. وهذا مستبعد جداً لأنه، في هذه الحال، تكون أميركا تكسر عظم روسيا والصين بمعنى انها تخرج روسيا من المنطقة وتمنع الصين من الدخول اليها. كل ما يمكن أن تفعله أميركا أن تدمر ولكن من دون السيطرة على الارض. وفي المقابل، ان ايران ستدمر المصالح الاميركية في الخليج مما يشكل ضربة قاضية وكارثة كبيرة على المصالح الغربية”.
وكيف سيتعامل “حزب الله” مع ملف النازحين إذا ازداد عددهم في حال حصول الضربة، يجيب سكرية: “اذا كانت الضربة قصيرة وبقيت دمشق خارج الصراع، سيأتي النازحون مرحليا الى لبنان ويعودون الى سوريا لاحقاً. ولكن، اذا تمكنت المعارضة من دخول دمشق، علينا ان نتوقع اكثر من مليون نازح سوري الى لبنان. وبرأيي، لا رأي لـ”حزب الله” هنا، على الدولة اللبنانية ان تمنع دخول النازحين الى البلاد. يبقى هؤلاء في جديدة يابوس الزبداني، في منطقة قريبة من الحدود انما خارج دمشق، وعلى الأمم المتحدة ان تقيم لهم مخيمات ايواء، فلا يحمل لبنان اكثر من طاقته”.
وبرأي سكرية أن الخطوة السياسية الوحيدة في لبنان لمواجهة هذا الاستحقاق إنما يجب أن تكون “تشكيل حكومة وحدة وطنية عنوانها الوحيد الامن والاستقرار في لبنان وتجنيبه اي مخاطر تهدده على ان نحيل كل النقاط الخلافية اما الى مجلس الوزراء أو الى طاولة الحوار علنا نتفق على حلول. فلا نجعل ما لا نتفق عليه سبباً لتفجير الوضع هنا”.