ليس مصدر الابتذال هو توصيف الولايات المتحدة بأنّها قوة إمبريالية.
بالعكس، هذا عين الصواب، ما دامت واشنطن تسخّر كل كبيرة وصغيرة لأجل تأمين استمرار “قيادتها للعالم” لقرن جديد. بل إنّها لتأمين ذلك تتنقّل أو تجمع بين مسلكين: التدخّل أو “التورّط” في مشكلات العالم، والترفّع أو “التفرّج” على مصائبه. لأجل ذلك، يقع الفصام في معظم الصور المناوئة أو المحابية للقوة الأميركية عبر بلدان العالم. فالأطراف نفسها التي تلوم الولايات المتحدة على عدم التدخّل، تعود فتلومها إذا ما عادت وتدخّلت. وفي مصر مؤخراً، رأينا القوى المناهضة للإخوان تندّد بما اعتبرته تواطؤاً أميركياً مع الإخوان، لا بل لعبت بعض دعاية هذه القوى على الأصول الإثنية الدينية لباراك أوباما لتوجد حيثية ما لدعمه للإخوان (مسلم في الخفاء)، ما لم يصل إليه اعتى يميني متطرّف في أميركا، في حين كان الإخوان المسلمون في المقلب الآخر يتّهمون أميركا بأنها مدبّرة الانقلاب عليهم، وأنّ العسكر لا يقدمون على هكذا خطوة من دون ضوء أخضر من واشنطن.
أما في سوريا، فرأينا نظاماً بعثياً، قلّد الإسلاموفوبيا الغربية بشكل مهين للعقل البشري، متلبّساً صفة مكافحة الإرهاب، مرة بحجة حماية الغرب منه كي لا يصل الإرهابيون إلى الحواضر، ومرة تحت طائلة محو أوروبا من الخارطة.
لكنه نظام يحرص كلّ يعاسيبه اليوم للتأكيد أن الضربة الأميركية ستكون مدمّرة للشعب السوريّ إنما ناعمة على النظام، وأنّها ستجعله عملياً في حلّ من كل التزام أخلاقي كان لا يزال يمنعه من تفجير كامل طاقته، بتحويل بلاد الشام كلّها إلى “غوطة شرقية”.
وفي معسكر مواجهي النظام، ثمّة كذلك الأمر خلل كبير في التوازن الذهني والمنطقي والسياسي: فمن يندّد بأميركا كونها تخلّت عن الثورة السورية تراه يعود ويتأفّف من موضوع التدخّل الأميركي، ويفرض من ثم على المشهد الثوروي موقفاً دفاعياً، تبريرياً، يحوي كمية من الرياء.
في الواقع، ليست الولايات المتحدة جمعية خيرية، ولا موصلة وجبات سريعة إلى المنازل، ولها توقيتها المناسب لمصالحها، الإمبريالية طبعاً، أي الهادفة لاستدامة قيادة أميركا للعالم، كما لها معاييرها الأخلاقية التي إما أن تتبعها وإما أن تتخلّف عنها فتقاس على أساسها.
عندما تتدخّل أميركا في سوريا، فهي لا تتدخّل ضدّ نظام يشكّل عقبة في طريق أي مشروع إقليمي لها، كما صادف أن كان الأمر في حال النظام العراقي وقت صدور الأمر بإسقاطه، وإنما ضدّ جثّة نظام تتحلّل كيميائياً، فحتى لو أن الغالب هو لجوء النظام إلى قتل السكان بالغازات السامة، إلا أن الأخطر يبقى شيوع هذه الأسلحة الفتاكة بين مقاتلي تنظيمي “القاعدة” و”حزب الله” جراء تحلّل النظام. هي مشكلة خطيرة، وأقلّ ما يمكن أن يفعله من يدّعي قيادة العالم، أي أميركا، هو معالجة هذه المشكلة، باستخدام القوة.
في المقابل، هذه الصفة الإمبريالية لأميركا، لا تضفي صفة شرعية وطنية تحرّرية على النظام البعثي الدموي. البعث الأسدي هو اليوم جثّة متحلّلة كيميائياً وينبغي معالجة عملية دفنها، وليس نظاماً يخاض النقاش حول ما إذا كان يمكن إعادة تزويده أو “ترقيعه” بالشرعية. لا رتقَ للثوب البعثي الدنيء!
فالشرعية في أوّل وآخر الأمر إما شرعية دستورية، تحدّ فيها السلطة من السلطة، كما علّمنا مونتسكيو، وإما هي شرعية مطلقة. ففي الحكم المطلق هناك استبداد شرعيّ: لكنه يحتاج لعنصرين أساسيين، تأمين السلام الداخلي، وتأمين حماية الأرض من العدوان الخارجي.
لم يكن للنظام السوري شرعية دستورية. كان أقصى ما يمكنه السعي وراءه هو شرعية الحكم المطلق، الاستبداد الشرعي. لكنه لم ينجح يوماً في تأمين السلام الداخلي بشكل مستقرّ، علماً أن استباحته للبنان ساعدته على ستر مشكلاته الداخلية لردح من الزمن. لكن المهم أنه منذ انطلاقة الثورة ضده فَقَدَ كل قدرة على إعادة تأمين السلام الداخلي، ما دام عاجزاً عن قمع الثورة بحيث العودة إلى ما قبلها. واليوم، سيستكمل العدوان الإمبريالي على سوريا إسقاط آخر شبهة محتملة للشرعية الاستبدادية عند نظام الطغيان السوري: قدرته على حماية الأرض السورية.
هل قلتم إمبريالية؟ نعم، ستكون ضربة إمبريالية بلا شك. لكنها تستهدف هذه المرة جثّة نظام، جثة متحلّلة كيميائياً.