يقول مراقبون أميركيون إنّ الرئيس باراك أوباما كشف عن “وجهه” الآخر في التعامل مع الأزمات الدولية، وأظهر قدراً كبيراً من الحزم، ليس تجاه الخارج فقط، بل تجاه المؤسسات الأميركية، حين بدا في مقابلته التلفزيونية الأخيرة، مُمسكاً بملفّ لطالما وُصف بالضُعف في التعامل معه.
أنهت الإدارة الأميركية أمس اجتماعاتها مع قيادات مجلسَي الشيوخ والنواب، بمعاونة مجلس الأمن القومي، حيث عقدت لقاءات كثيفة مع رئيس مجلس النواب الجمهوري جون باينر وزعيم الأغلبية الديموقراطي في مجلس الشيوخ جون ريد، ومع رؤساء وأعضاء لجان الخارجية والدفاع في المجلسين، بهدف شرح أسباب استعداد الولايات المتحدة لتوجيه ضربة جدّية للنظام السوري. ذبدا واضحاً أنّ أوباما استطاع إرساء المعادلة التي تتيح له تبرير القيام بعمل عسكري، حين تمكّن من إقناع الرأي العام الأميركي بأنّ التحرّك العسكري الوشيك يستند الى القانون الدولي، عبر استحضار بند “الدفاع عن المدنيين” بصفته سنداً قانونياً يعادل تعرّض الولايات المتحدة لخطر مباشر يُجيز له استعمال القوّة للردّ عليه، حتى من دون الحصول على موافقة الكونغرس.
وتعتقد مصادر أميركية مطّلعة أنّ حرص أوباما على عدم التورّط في نزاع عسكري جديد، يترافق مع تشديده على حشد دعم المجتمع الدولي للضربة العسكرية المرتقبة، بما يُجنّبه ارتكاب الخطأ الذي وقعت فيه إدارة الرئيس السابق جورج بوش، حين اعتبرت أنّ موافقة المجتمع الدولي غير ضرورية لإجازة الهجوم على العراق عام 2003.
وتقول هذه المصادر إنّ مشروع القرار البريطاني الذي عُرض في الإجتماع التشاوري للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، ارتكز على القانون الدولي الذي يُجيز الدفاع عن المدنيين وحمايتهم في أي أزمات او حروب، وصيغ تحت الفصل السابع الذي يجيز استخدام كل السبل الممكنة بما فيها العمل العسكري، ما يعني متابعته والعودة الى المجلس لإطلاعه على ما نُفّذ من القرار. وهذا يعني في المفهوم السياسي، أنَّ ما يجري الإستعداد له ليس عملية محدودة، بل تدخّل طويل الأمد.
وتؤكّد المصادر الأميركية نفسها أنّ توجيه بضعة صواريخ لا يحتاج الى كل هذا الحشد السياسي والعسكري. فأوباما ووزير الخارجية جون كيري اتصلا بنحو 80 رئيساً ومسؤولاً دولياً، وهو ما لم يحصل حتى خلال حرب كوسوفو. وتوضح أنّ واشنطن لا تسكنها أوهام بالنسبة الى صدور قرار عن مجلس الأمن. فموسكو لا تزال تسعى حتى الساعة الى الحصول على تنازلات معيّنة من واشنطن، بعدما تبيَّن أنّ الدفاع عن “ارتكابات” النظام السوري وأخطائه، شارف على الإنتهاء، بدليل التصريحات الروسية الأخيرة التي أكدت أنّ الجيش الروسي لن يدافع عن أي نظام في المنطقة، وأنّ هذا الأمر ليس من مهماته، ناهيك عن بدء إجلاء الرعايا وتحريك بعض الطواقم العسكرية الى خارج قاعدة طرطوس.
وتعتقد المصادر الأميركية أنّ روسيا والصين محرجتان سياسياً أمام الأزمة السورية بشكل غير مسبوق، ما قد يُجبر بكين على الإمتناع عن التصويت، فيما ستجد موسكو نفسها تُدافع بمفردها عن نظام قتل مواطنيه بالسلاح الكيماوي، وهو أمر لم يعد مقبولاً في القرن الواحد والعشرين، على حدِّ قول وزير الخارجية البريطاني وليم هيغ أمس الأول.
وتستبعد هذه المصادر أن يعقد اجتماع مجلس الأمن قبل صدور تقرير الإستخبارات الأميركية في غضون ساعات، والذي سيكشف المكالمات التي جرت بين قيادات النظام السوري والأجهزة والوحدات العسكرية التي تولّت تنفيذ الهجوم الكيماوي على “غوطة دمشق”. لذلك، من شأن صدور هذا التقرير مضاعفة حجم الضغوط المعنوية والسياسية على كل من روسيا والصين، ما يجعل استمرارهما في تأمين التغطية لنظام الأسد أمراً صعباً.
في مطلق الأحوال، تتعاطى واشنطن بجدّية وحذر شديدين، مع المعلومات التي تحدّثت عن بدء تحريك النظام السوري وحداته العسكرية والقتالية وإعادة تموضعها، ومع الأنباء عن مغادرة عائلات عدد كبير من المسؤولين الى لبنان والخارج، وعن حالات الهلع التي تعصف برموز النظام السوري، خصوصاً وأنّ دوائر استخبارية تتوقّع أن تنعكس هذه الأجواء على القيادات العسكرية لقواته، بعدما بدا أنّ استعمال “الكيماوي” ارتدّ سلباً عليها، وهي التي شهدت بعض قطعاتها إنهيارات معنوية، حين هوجمت قرى ريف اللاذقية، فتبيّن لها أنّ “المركب” يشارف على الغرق، ومن الأفضل التفتيش عن بدائل أخرى.