قد لا يكون من تأثير مباشر وآنيّ وسريع على لبنان جرّاء الضربة العسكرية على سوريا، ولكن لهذه الضربة دلالات ومؤشّرات لا يمكن إنكارها وتجاهلها، وتصبّ في مصلحة 14 آذار والمشروع اللبناني.منذ إقرار القرار 1559 دخل لبنان مرحلة سياسية جديدة عنوانها عودة الاهتمام الدولي بشؤونه وإعادة الاعتبار لدوره كبلد مستقلّ غير ملحق بسوريا، الأمر الذي أدّى إلى إخراج الجيش السوري من لبنان ووضعه تحت الرعاية الدولية.
تراوحت الرعاية الدولية بين حدّ أقصى تمثّلَ في صدور سلسلة قرارات بدأت بالقرار المذكور واستتبعت بـ 1680 المتصل بتحديد الحدود مع سوريا و1701 و1757 المتعلق بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان ودعم انتخابات رئاسية بالنصف زائداً واحداً، وحدّ أدنى تُرجم بطَيّ صفحة المقايضة على حساب لبنان وإبقائه في غرفة الانتظار والعناية ريثما تكون نضجت التسوية الإقليمية.
فبعد أن تثبَّتَ المجتمع الدولي من استحالة فصل لبنان عن إيران بفعل وجود “حزب الله” ودوره، وانطلاقاً من حرص هذا المجتمع على تجنيب لبنان محظورَين: الحرب الأهلية والوصاية، تركّز الاهتمام الدولي على أولوية الاستقرار وتحييده قدر الإمكان عن الأزمات الإقليمية، وهذا ما بدا واضحاً مع انطلاق الثورة السورية التي ستفضي، بحسابات المجتمع الدولي، إمّا إلى تسوية مع إيران تشمل الملف اللبناني، أو إلى تسوية لبنانية مع “حزب الله” بعد سقوط النظام السوري واضطراره إلى التعامل ببراغماتية مع المعطيات الجديدة.
فالأمور معلقة على مؤدّيات الأزمة السورية، والحلول مؤجّلة إلى ما بعد انتهاء هذه الأزمة، والستاتيكو الذي فرضه الحدث السوري بدأ يتحوّل كارثياً على لبنان مع دخول “حزب الله” على خط القتال في سوريا، وبالتالي من مصلحة لبنان كسر هذا الستاتيكو الذي تحوّل قاتلاً بالنسبة إلى اللبنانيين، وكسرُه غير ممكن سوى مع تعديل موازين القوى الميدانية ودفع الأمور قدُماً نحو التسوية السياسية في سوريا، هذه التسوية التي ستستبعد حُكماً الرئيس السوري، لأنّ أهمّ ما في الضربة العسكرية ليس قوّتها وتدمير المواقع الكيماوية، بقدر رسالتها السياسية الحاسمة: استخدام الأسد للكيماوي يضعه في قفص المحكمة لا على طاولة المفاوضات.
فالضربة بهذا المعنى هي ضربة سياسية للرئيس السوري الذي يفقد معها أيّ إمكانية للاستمرار في السلطة ولو لمرحلة انتقالية، لأنّ المجتمع الدولي لن يسمح بأيّ دور سياسيّ له بعد استهدافه في قضية الكيماوي، ما يمهّد لـ”جنيف 2″ من دون الأسد، وتسريع الحلّ السياسي الذي يُخرج لبنان من دوّامة الانتظار، حيث ينتقل التركيز على “حزب الله” الذي يصبح مطوّقاً بين وضعية سوريّة غير صديقة، ومفاوضات فلسطينية-إسرائيلية و1701، ووضعٍ داخليّ مناوئ للسياسة الإيرانية، الأمر الذي يضعه أمام احتمالين: الانتحار، أو الدخول في تسوية على أمل الانقلاب عليها ولو بعد حين.
ولكنّ المهمّ في كلّ ذلك أمران: سقوط كلّ نظريةِ أنّ الولايات المتحدة خرجت من المنطقة، وأنّ محور الممانعة يتحكّم بكلّ مفاصل اللعبة، حيث بَيّنت الوقائع أنّه عندما تحزم واشنطن قرارها يصطفّ العالم بأسره خلفها مثل العسكر. والأمر الثاني أنّ الأسرة الدولية ليست في وارد التخلّي عن المنطقة ولبنان لمصلحة إيران.
ومن هذا المنطلق تشكّل الضربة الغربية على سوريا مصلحة لبنانية تكمن بالآتي:
أوّلاً، التسريع في إقفال ملف الأزمة السورية قبل انتقالها إلى لبنان.
ثانياً، إنهاء التأثير السوري على القرار اللبناني.
ثالثاً، إضعاف محور الممانعة الذي يفقد أهمّ أوراقه الاستراتيجية.
رابعاً، عودة التوازن إلى المشهد الإقليمي، بعد سقوط النظام السوري، بين الرياض وطهران.
خامساً، عودة التوازن إلى المشهد اللبناني، كون التوازن المحلّي هو انعكاس للتوازن الإقليمي.
سادساً، نشوء واقع جيوبوليتيكي جديد يجعل إيران و”حزب الله” أكثر استعداداً للمفاوضات والحلّ.
سابعاً، الخروج من سياسة التجميد إلى سياسة التحريك التي تعيد خلط الأوراق في المنطقة.
ثامناً، إظهار واشنطن أنّها تُمهل ولا تُهمل، وأن لا عودة إلى زمن الصفقات والمقايضات، وأنّ ما حصل مع سوريا في الكيماوي سيتكرّر مع إيران في النووي، وأنّ لبنان لن يبقى ساحة مستباحة.
ويبقى أنّه من الثابت أنّ القضية اللبنانية لن تجد طريقها إلى الحلّ لبنانيّاً، إنّما عن طريق بيئة حاضنة عربية-إقليمية، هذه البيئة التي بدأت تنضج وتتبلور بما يصبّ في مصلحة هذه القضية.
