أيَّدت واشنطن وأوروبا ودول الخليج العربي سابقاً سياسة النأي بالنفس التي انتهجها لبنان حيال الأزمة السوريّة، ونصحت هذه الدول اللبنانيين بتسوية خلافاتهم في ما بينهم، وقد ساعد هذا الموقف في حماية الإستقرار الذي صمد، إلى حدّ ما، في وجه العواصف السورية المدمّرة.
وحده “حزب اللّه” أبى هذه الإستراتجية وانخرط علناً في الحرب السورية، الأمر الذي يضع لبنان ومعه الحزب أمام مخاطر يصعب إحصاؤها، على قاعدة أنّ سلوك الحزب إستجلب التطرف المضاد له بسبب سياسته السورية، ما يضعه أمام مأزق إستراتيجي كبير، لأنه عبر مشاركته في القتال خارج لبنان من أجل حماية المقامات الشيعية ومحاربة “التكفيريين” وضع لنفسه أهدافاً واسعة جداّ، وتشمل دولاً عديدة، وبالتالي كيف يمكنه أن يحقق هذه الأهداف بوسائل محدودة وبشرعية سياسية يستمدّها بالأساس من وجوده داخل النظام اللبناني؟
مصادر قيادية في “حزب الله” تؤكّد أنّ الحزب في المرحلة الحالية يسعى الى تقوية الأوراق التفاوضية للنظام السوري على طاولة المفاوضات في جنيف2، وهو يعلم حجم الأضرار المترتبة عن ذلك على الأرض اللبنانية المرشّحة للإنفجار والجاهزة أساساً لكلّ أنواع الفتن لا سيما الطائفية منها.
وكان يدرك الحزب سابقاً أنّ الضاحية الجنوبية والمناطق ذات الكثافة الشيعيّة في الجنوب معرّضة للمواجهة مع الجماعات التكفيرية، وعلى هذا الأساس وضع استرتيجية عسكرية تكتيكيّة لمواجهة أمرين: الأول، المواجهة العسكرية في الداخل السوري واللبناني معاً، والمواجهة النفسيّة داخلياً خصوصاً بعد خطاب رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في عيد الجيش. الثاني، المواجهة مع المجتمع الدولي بعد وضع الإتحاد الأوروبي الحزب على لائحة المنظّمات الارهابيّة.
وفي حال شنّت واشنطن حربها المقرّرة على سوريا فإنّ الحزب جاهز للردّ من الداخل اللبناني وللقتال في الداخل السوري، بحيث أنّ هناك قراراً داخلياً لبنانياً – إيرانياً للتصدّي للجماعات الارهابيّة التكفيريّة في الداخل اللبناني والسوري، والكلّ يعلم أنّ الحزب الذي شارك في الحرب السورية بملء إرادته ليس في وارد التراجع عن قراره الإستراتيجي والمصيري.
ولا تستبعد المصادر عينها أن تشهد الساحة الداخلية حرباً شاملة بين الحزب والتكفيريين، حيث أنّ الحزب يملك خريطة تواجدهم في المناطق اللبنانية كما يرصد حركات العبور والتسلل الى الداخل اللبناني، وفي حوزته تفاصيل عن الجهات التي اخترقت أمنه في الضاحية.
وعلى هذا الأساس تتحدث المصادر عن مخطط عسكري تكتيكي لضرب المجموعات التكفيرية الإرهابية وتفكيكها، خصوصاً انّ في حوزة الحزب تفاصيل رقمية دقيقة عن حجم تلك المجموعات الإرهابية المتطرفة، كما عن نشاطها المكثّف في الداخل اللبناني، خصوصاً بعد بروز “الظاهرة الأسيرية” في عبرا والتي كانت ستؤدّي في نهاية المطاف الى فتنة سنّية- شيعيّة، سيما أنه قد ثبت أنّ هذه الخلايا الإرهابية تقاتل حسب العقيدة القتالية التي استُخدمت في معركة نهر البارد والتي ذهب ضحيتها شهداء في صفوف الجيش اللبناني.
وانطلاقاً من ذلك يعتبر “حزب الله” اليوم أنّ لبنان قادم على مشهد يتسّم بالسوداوية المرشحة للإتساع، ويعلم أنّ الضاحية الجنوبية ستتعرض لتفجيرات إرهابية أكبر في المرحلة القادمة.
وأكدت المصادر أنّ الردّ على واشنطن سيكون في حال مضي الادارة الأميركيّة بقرارها خصوصاً أنّ بنية “حزب الله” العسكرية باتت صلبة لدرجة تجعل الحزب قادراً على القتال والصمود لفترة طويلة من دون الحاجة إلى دعم لوجستي خارجي فوري، ويتوقع الحزب أن تستمر الأزمة السورية لحين التوصّل الى تسوية يكون الأسد الرابح الأكبر فيها.
ويعتقد الحزب أنّ الأزمة المستمرّة في سوريا لا ولن تنتهي بسقوط النظام، بل بتسوية لا يكون هذا النظام الطرفَ الضعيف فيها، والأرجح أنّ سوريا ذاهبة باتجاه التقسيم.