يوم قرّر التحالف الدولي التدخّل في راوندا بعدما ناهز عدد مجازر الإبادة الجماعية المليون قتيل في فترة وجيزة، ويوم قرّر هذا التحالف التدخّل في يوغوسلافيا السابقة بعد هول المجازر التي ارتكبها نظام سلوبودان ميلوسوفيتش في حقّ المسلمين في كلّ من ألبانيا والبوسنة والهرسك، ويوم تدخّلت الولايات المتحدة لإطاحة نظام “طالبان” في أفغانستان ونظام صدّام حسين في العراق، كان العامل الإنساني أحياناً هو المبرّر للتدخّل بلا موافقة مجلس الأمن الدولي التي يمنحها بموجب المادة 51 من الفصل السابع، مثلما حصل في راوندا ويوغسلافيا، بينما شكّل منع استخدام الأسلحة المحظّرة السبب الرئيس للتدخّل في أفغانستان ردّاً على اعتداء 11 أيلول 2001، ولدى إطاحة نظام صدّام حسين عام 2003، وذلك خلافاً للقرار الرقم 1481 الصادر عن مجلس الأمن عام 2002 الذي حذّر النظام العراقي من مغبّة الإستمرار في منع المفتشين الدوليين من مهمّة التقصّي عن وجود أسلحة محظّرة من دون إجازة التدخّل العسكري. كذلك كلّف القرار الرقم 1483 الصادر عن مجلس الأمن عام 2003 الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا مساعدة الشعب العراقي بالتعاون مع الأمم المتحدة لإعادة بناء العراق ولم يجِز لوشنطن وحلفائها اجتياح العراق!
في المقابل، أيضاً، حظّرت المادة 53 من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة المنظّمات الإقليمية (كالحلف الأطلسي) من استخدام القوّة من دون الحصول على إجازة مجلس الأمن. لكنّ استخدام الأسلحة المحظّرة دوليّاً بلا رادع أو معاقبة على استخدامه سيشجّع كثيراً من الأنظمة الديكتاتورية والبوليسية على تكرار استخدامه، خصوصاً في كلّ مرّة تحصل مواجهة بين إدارة الأنظمة والشعوب أو مَن يعارض هذه الأنظمة. أمّا ما يحصل في مجلس الأمن لدى ممارسة الدول العظمى حقّ الفيتو، فإنّه يعطّل دوره في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، أو إنّه يمارس هذا الدور أحياناً إستنسابياً بما يمنع العقاب الفعلي على من يستخدم الأسلحة المحظّرة وعلى من يرتكب المجازر الجماعية.
ولأنّ العدالة الدولية التي نشدّ على أزرها، لا تزال حتى تاريخه بطيئة بعض الشيء، ما يمنع حالياً من معاقبة مرتكبي المجازر، مثلما حصل مع الرئيس السوداني عمر البشير، على رغم الملاحقة التي لم تدخل حيّز التنفيذ بعد، بسبب عدم التمكّن من اعتقاله للمثول وجاهياً أمام القضاء الجنائي الدولي الدائم. وهذا ما يحصل حاليّاً مع الرئيس بشّار الأسد، حيث لم يُصَر إلى الادّعاء عليه لنتكلم عن إمكان توقيفه. كما لم تجد الأسرة الدولية بعد آلية لوضع حدّ للمجازر بسبب التجاذب الدولي حول هذا الملف، لكنّ فكرة التدخّل تجد لها مبرّراً لدى الدول العظمى المسؤولة، ولو معنوياً، بغية وضع حدّ للضرر اللاحق بالشعوب الضعيفة.
لكن للتدخل الإنساني قواعده، إذ لا يجوز أن يكون همجياً غير مدروس الأهداف والعواقب، بل يجب أن يهدف إلى منع الاعتداء على المواطنين، كإقامة حظر جوّي (دون التوسّع في هذا النطاق، كما حصل عندما تجاوز الحلف الأطلسي قرار مجلس الأمن الرقم 1973 الذي كلّف الحلف إقامة منطقة حظر جوّي في ليبيا)، وتأمين ممرّات إنسانية آمنة، وضرب المواقع التي يمكن النظام السوري أن يشنّ منها عدواناً على المواطنين العزّل، وضرب مواقع الأسلحة والمطارات العسكرية ومرابض المدفعية.
هكذا بعدما اعتاد الديكتاتوريّون على أسر شعوبهم طمعاً في الاستئثار بالحكم، وعلى رغم مرور سنوات على عدوانهم على شعوبهم، بحيث باتوا كالتماسيح الذين فقدوا كلّ حواسهم في غمرة مطاردة فريستهم، فقد آن الآوان لوضع حدّ لهؤلاء التماسيح المنتشرين هنا وهناك، الذين يأسرون شعوباً ودولاً ضعيفة، ضعيفة لأنّها لا تقوى حتى على التماسيح، وهذه التماسيح التي تتوسّل القوّة حجّة لها لا يمكن وضع حدّ لها إلّا بالمنطق ذاته الذي تتوسّله.
عسى لو يقرأ البعض هذا المنطق جيّداً، ويقرأ في التجارب غير البعيدة، فيختصر مسيرة آلام طويلة ويعود إلى وطنه على قاعدة “العودة عن الخطأ فضيلة”، بدلاً من العودة بعد الهزيمة (هزيمة المحتل)، حيث يكون هناك البكاء وصريف الأسنان.